منتدى العمق

القيم بين الدولة والمجتمع

نعيش اليوم في زمن تتغير فيه المفاهيم بوتيرة سريعة، حيث لم تعد القيم تُستحضر كمرجعيات حاكمة للسلوك، بل تُوظَّف أحيانًا كشعارات فارغة لتبرير أنماط جديدة من الأنانية الفردية والانفصال عن همّ الجماعة. ما عادت “الكرامة” مثلًا تعني ما كانت تعنيه، ولا “الصدق”، ولا حتى “الاحترام”. لقد أصبحت كثير من القيم تُستدعى عند الحاجة، وتُطوَّع وفق المصلحة. هنا يعود السؤال الجوهري إلى الواجهة: من المسؤول عن بناء القيم في المجتمع؟ وهل اختلال المنظومة الأخلاقية هو نتيجة ضعف الوعي الفردي، أم أنه انعكاس مباشر لخيارات الدولة وتوجهاتها؟

لا يمكن فصل الأخلاق العامة عن السياسات التعليمية والإعلامية للدولة، فهي التي تصوغ رؤية المجتمع وتحدد ملامح تربيته وسلوكه. فعندما تُقصى القيم الدينية والتربوية من المناهج، وتُستبدل بثقافة استهلاكية سطحية، أو حين يتحول الإعلام إلى وسيلة ترفيه بلا مضمون، فإن النتيجة الحتمية هي فقدان البوصلة الأخلاقية، وانتشار السطحية والأنانية.

الدولة، بمؤسساتها، مسؤولة عن توجيه الرأي العام، وترسيخ قيم الانتماء والمسؤولية والتضامن، عبر ما تعتمده من سياسات وما تدعمه من نماذج. وحين تسود في المجتمع أنماط سلوكية متدنية، لا يمكن تبرئة السياسات العمومية من دورها في ذلك. فالمناهج التعليمية التي تفتقر إلى بعد قيمي وروحي، والخطاب الإعلامي الذي يُغيب القدوة، يساهمان في صناعة أجيال تفتقد إلى المعنى والهدف.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال دور الدين، فحين يُدفع إلى الهامش، وتُفصل القيم عن جذورها الروحية، تصبح الأخلاق نسبية ومائعة، خاضعة للأهواء والظروف. لكن الدين ليس مجرد طقوس، بل رؤية متكاملة للإنسان والحياة، تُعيد ترتيب الأولويات وتُوجه السلوك نحو الغايات السامية.

ومن الخطأ الاعتقاد أن فساد الأخلاق مسألة شخصية فقط، بل هو مرآة تعكس اختيارات كبرى في التخطيط والتدبير. كما أن انتشار مظاهر الانحراف لا يعكس مجرد خلل فردي، بل هو دليل على غياب مشروع مجتمعي واضح يقوم على بناء الإنسان قبل كل شيء.

إن بناء منظومة أخلاقية راسخة لا يكون إلا عبر استثمار التعليم في ترسيخ القيم، وتوجيه الإعلام نحو ما ينفع الناس، وربط التشريعات بالسياق الروحي الذي يمنح السلوك معناه العميق.

فأزمة القيم ليست قدراً حتميًا، بل نتيجة خيارات. وحين تعود الأخلاق إلى موقعها الطبيعي في السياسات العمومية، يمكن حينها الحديث عن مستقبل مزدهر، يستند إلى الإنسان لا مجرد الأرقام.