منتدى العمق

العقل الاستراتيجي بين النص والزمان: قراءة في كتاب «فن الحرب» لسون تزو.

في مسار التفكر الاستراتيجي وتشكل الوعي البنيوي بالصراع، قلما آلت نصوص بعينها إلى مصير يضاهي ما انتهى إليه كتاب فن الحرب؛ ذلك الأثر الذي كتب قبل ما يزيد على ألفين وخمسمائة عام، بقلم الفيلسوف والقائد العسكري الأسطوري سون تزو.وهو أثر بالغ الإيجاز في مبناه، بالغ العمق في معناه، صيغ في زمن تاريخي اتسم باحتدام الصراعات واستمرار الاقتتال واختلال توازنات القوة، فجاء معبرا عن وعيٍ استراتيجي تشكل في قلب الاضطراب وليس على هامشه.

 ورغم انتماء هذا الكتاب إلى زمن سحيق، فإنه استنكف على أن يتحول إلى وثيقة أثرية جامدة، بل ظل نصا حيا، يكرر الظهور في كل حقبة تعرف تحولات حادة في أشكال الصراع وآلياته. هذا الاستمرار الاستثنائي لا يمكن تفسيره بالصدفة أو بالحنين الثقافي، بل بكون الكتاب قد تجاوز ظرفه التاريخي لينفذ إلى بنية الصراع ذاتها بوصفه ظاهرة عقلية وتنظيمية قبل أن يكون مواجهة مادية.

 الكتاب ينطلق من مسلمة فلسفية مفادها أن الحرب ليست انفجارا للعنف بقدر ما هي نتاج قرار عقلاني، وأن القوة لا تقاس بما تمتلكه الجيوش من عتاد غفير، بل بمدى حسن تدبيرها للمعرفة، والزمان، والفضاء، والنفس البشرية. بهذا المعنى، يقدم سون تزو قطيعة مبكرة مع التصورات الساذجة التي تختزل النصر في التفوق المادي، ليؤسس لنظرية ترى أن الصراع يحسم في مستوى غير منظور يقوم على مستوى الحساب، والتقدير، والتخطيط الاستباقي. هذه النزعة العقلانية الصارمة هي التي منحت النص قدرة نادرة على العبور عبر العصور.

ولعل أحد أهم أسباب بقاء الكتاب حيا و ماثلا بقوة؛ هو طابعه التجريدي. فسـون تزو لا يقدم وصفا لحروب بعينها، ولا يربط أفكاره بجغرافيا محددة أو عدو معين، بل يصوغ مبادئ عامة قابلة للمطابقة و القياس على كل أشكال التنازع. إنه يكتب عن الخصم بوصفه بنية، وعن النصر باعتباره نتيجة لمعادلة ذهنية، وليس حدثا دمويا بالضرورة. ومن هنا أمكن إعادة قراءة الكتاب خارج الإطار العسكري الصرف، ليغدو مرجعا في السياسة، والاقتصاد، والإدارة، بل وحتى في العلاقات الاجتماعية الدقيقة حيث تتقاطع المصالح وتتولد أشكال ناعمة من الصراع.

كما أن مبدأ “معرفة الذات ومعرفة الخصم”يحتل موقع القلب في فلسفة الكتاب. غير أن هذه المعرفة لا تفهم على نحو سطحي، بل تقدم بوصفها وعيا مركبا يشمل الإمكانات والحدود، ونقاط القوة والضعف، والحالة النفسية، وما الى ذلك. فهذا التصور المعرفي يلتقي، على نحو لافت، مع الإبستمولوجيا الحديثة التي ترى أن الفعل الرشيد لا ينبني على اليقين المطلق، بل على تقدير احتمالي دقيق للممكن والمحتمل. ومن هنا تتبدى راهنية النص، إذ إن عالم اليوم، المشبع باللايقين، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى استراتيجيات تقوم على إدارة التعقيد لا على إنكاره.

وفي هذا الموضع تحديدا، ينتقل “فن الحرب” من مستوى النظر إلى أفق التطبيق التاريخي، حيث تتكشف إحدى أخطر تجليات منطقه في الاستراتيجيات الكبرى للدول الحديثة، وخصوصا تلك التي أدركت أن الحرب المباشرة لم تعد الشكل الأمثل لممارسة القوة. فمبدأ تحقيق الغلبة من دون مواجهة مباشرة، أو ما يمكن تسميته قتل الخصم بسيف غيرك، ليس تفصيلا هامشيا في كتاب سون تزو، بل ذروة هرمه الاستراتيجي. فهنا تتحول الحرب إلى هندسة معقدة لمسارات الاستنزاف، وتغدو القوة قدرة على إدارة صراعات الآخرين بدل خوضها.

ضمن هذا الإطار يمكن فهم السلوك الاستراتيجي لبعض الاقطاب الدولية مثل الولايات المتحدة وروسيا، ولا سيما في سياقات الحرب الباردة وما بعدها، حيث جرى استبدال المواجهة المباشرة بحروب بالوكالة، وصراعات إقليمية طويلة الأمد، تدار بعناية دقيقة لضبط ميزان الخسائر ومنع الحسم. إن هذا النمط لا يعكس تراجعا عن الحرب، بل تعقيدا لها، بحيث تصبح أقل ضجيجا وأكثر فتكا في آثارها البنيوية. فالدولة العظمى لا تنتصر حين تسحق خصمها فورا، بل حين تمنعه من النهوض مجددا، وحين تدفعه إلى استنزاف ذاته داخل صراع طويل يلتهم موارده وشرعيته معا.

وفي هذا السياق نأخد الحرب العراقية الإيرانية مثالا كاشفا عن هذا المنطق في أبلغ صوره. فقد انخرط طرفان إقليميان في صراع دموي ممتد، بينما ظلت القوى الكبرى تمارس دور المنسق الخفي لإيقاع النزيف المتبادل. لم تكن المسألة، من منظور الاستراتيجية الأمريكية، متعلقة بانتصار العراق أو إيران، بل بتقويض إمكان تحول أي منهما إلى قوة إقليمية قادرة على تحدي النظام الدولي القائم. الثورة الإيرانية مثلت تهديدا أيديولوجيا وسياسيا عميقا، في حين كان العراق يجسد مشروعا قوميا مسلحا يحمل في بنيته عداء صريح للهيمنة الأمريكية ولإسرائيل كذلك. ومن هنا بدا استنزاف الطرفين معا غاية عقلانية باردة، وليست انحرافا عرضيا.

وقد لخص هنري كيسنجر هذه العقلانية حين عبر، بصيغ مختلفة، عن أن المصلحة الأمريكية تكمن في خسارة الطرفين. هذه العبارة، على قسوتها و عمقها، تمثل ترجمة معاصرة لجوهر فن الحرب، بحيث لا يقاس النجاح بارتفاع بيرق، بل بانكسار الإمكانات المستقبلية للخصم. ومن هذا المنظور يمكن فهم التناقض الظاهري في السياسة الأمريكية خلال تلك الحرب، إذ جرى تسريب السلاح إلى إيران في مراحل معينة، في الوقت الذي قدمت فيه الى العراق صور الأقمار الصناعية والمعلومات الاستخباراتية عن تحركات الجيش الإيراني. هذا الفعل لم يكن ازدواجا أخلاقيا، بل كان انسجاما داخليا مع هدف أعلى و المتمثل في إطالة أمد الصراع، وتعميق كلفته، ومنع أي حسم سريع قد يخل بتوازن الاستنزاف.

هذا النموذج لا يخرج عن منطق سون تزو حين يحذر من الحرب السريعة إذا كانت ستنتج خصما أقوى، ويمجد الحرب الطويلة إذا كانت ستفرغ الخصم من طاقته. فهنا يتحول السلاح من أداة حسم إلى أداة إدارة، وتغدو المعلومة، لا المدفع، هي العنصر الحاسم. إنها حرب تدار بالعقل أكثر مما تخاض بالجسد، وبالزمن أكثر مما تحسم بالضربة القاضية.

ومع العودة إلى مسار النص، يتضح أن الثورة التكنولوجية المعاصرة لم تلغ هذه المبادئ، بل منحتها مجالات جديدة للفعل. ففي عصر البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والحروب السيبرانية، لم يعد ميدان الصراع هو الأرض وحدها، بل انتقلت الى الشبكات العنكبوتية والخوارزميات والسرديات. وهنا أصبح يتخذ مبدأ الخداع بعدا جديدا، لا بوصفه كذبا فجا، بل إدارة دقيقة لتدفق المعلومة، والتحكم في ما يرى وما يخفى، وفي كيفية إدراك الخصم للواقع ذاته.

كذلك، فإن تأكيد سون تزو على أولوية الزمن والتوقيت يبدو أكثر راهنية في عالم تحكمه السرعة الفائقة. فالقرار المتأخر، مهما كان صائبا في مضمونه، يفقد قيمته في سياق زمني متحول. ومن ثم، فإن الاستراتيجية المعاصرة، سواء في السياسة الدولية أو في المنافسة الاقتصادية، تجد في “فن الحرب”درسا مبكرا حول مركزية اللحظة المناسبة، وحول خطورة الجمود في بيئة لا تعترف بالثبات.

أما مفهوم القيادة، كما يتبدى في الكتاب، فيقوم على توازن دقيق بين الصرامة والحكمة، وبين السلطة والضبط الذاتي. فالقائد ليس من يفرض الطاعة بالقوة، بل من يدير الطاقات ويوجهها عبر شرعية معرفية وأخلاقية. وهذه الرؤية تلتقي بعمق مع نظريات القيادة الحديثة، حيث لم تعد السلطة عمودية خالصة، بل شبكة من العلاقات المتداخلة، تدار بالثقة والكفاءة أكثر مما تدار بالأوامر.

إن بقاء كتاب “فن الحرب” إلى يومنا هذا ليس دليلا على خلود نص فحسب، بل على ثبات بعض القوانين العميقة التي تحكم السلوك الإنساني في حالات التنافس والصراع. فالتكنولوجيا غيرت الأدوات، لكنها لم تلغِ الحاجة إلى العقل، ولا إلى التخطيط، ولا إلى فهم النفس البشرية. ومن هنا يمكن القول إن الكتاب لم يصمد لأنه قدم حلولا جاهزة، بل لأنه أرشد إلى كيفية التفكير في الصراع، وكيفية تحويل القوة من حمل وعبئ مادي إلى أداة عقلية دقيقة.

وعليه، فإن قراءة هذا الكتاب عظيم الأثر؛ في زمن الثورة الرقمية ليست بذخا ثقافيا، بل ضرورة فكرية. فهو نص يذكرنا، وسط ضجيج الآلات وتسارع الخوارزميات،بأن جوهر الصراع ما يزال رهين البنية العقلية في عمقه، وأن النصر، مهما تغيرت وسائله، يظل ثمرة عقل قادر على الرؤية قبل الفعل، وعلى الفهم قبل المواجهة.