تصاعدُ مطلب الديمقراطية في المغرب داخل الأحزاب والجمعيات والإطارات الثقافية يعكس رغبة مجتمعية متنامية في المشاركة والشفافية. في المقابل، تكشف الممارسة الداخلية لعدد واسع من هذه الفضاءات فجوة واضحة بين الخطاب والممارسة، ما يضع مسألة المصداقية المؤسسية في صلب النقاش العمومي حول جدوى المطالبة بالديمقراطية العامة دون تجسيدها داخليًا.
طبيعةُ الحوافز داخل الأحزاب والجمعيات تمثل عاملًا حاسمًا في تفسير هذا التناقض. الارتباط بشبكات نفوذ أو بمصادر تمويل معيّنة يحوّل الحفاظ على المواقع القيادية والتموضع الاستراتيجي إلى أولوية تتقدّم على بناء مؤسسات قائمة على التداول والمساءلة. في هذا السياق، تفقد الانتخابات الداخلية مضمونها التنافسي، ويغدو الانتماء إلى شبكة محلية أو الارتباط بفاعل اقتصادي مدخلًا غير معلن للوصول إلى مواقع القرار، الأمر الذي يعمّق شعور الإقصاء داخل القواعد ويضعف شرعية المؤسسات أمام المجتمع.
الإطارُ القانوني والبيئةُ المؤسسية يفرضان حضورًا مزدوجًا في المشهد العام. تعدديةٌ ظاهرة من جهة، وثغرات تنظيمية من جهة أخرى تتيح الاعتماد على تمويل خاص أو شبكات نفوذ غير خاضعة للشفافية. بعض القوانين والإجراءات التشغيلية تحدّ من إمكانات المساءلة الداخلية، فيظهر الخطاب الديمقراطي في الفضاء العمومي، بينما تخضع الممارسة اليومية لتوازنات تضغط في اتجاه المحافظة والمركزية.
الثقافةُ التنظيمية السائدة داخل عدد من هذه المؤسسات تكرّس منطق الاستمرار بدل منطق التداول. اختزالُ القيادة في هدف قائم بذاته، وتحويل المناصب والشبكات المحلية إلى أدوات بقاء، يؤديان إلى تهميش واسع للأعضاء، تقلّص فضاءات النقاش، وضعف مساهمة القواعد في صياغة البرامج وصنع القرار. النتيجة المباشرة تتمثل في تراجع الثقة في العمل المؤسسي، وصعود أشكال تعبير بديلة أكثر ظرفية ومرونة.
الحراكُ الرقمي والاحتجاجاتُ الشعبية يشكلان عنصر ضغط متزايد على المؤسسات لمراجعة ممارساتها. اتساع الوعي الرقمي، خصوصًا في أوساط الشباب، يفتح مجالًا للمساءلة الرمزية، لكنه يكشف في الوقت نفسه محدودية قدرة البنى التقليدية على إنجاز إصلاح داخلي عميق. من دون إجراءات تنظيمية ملموسة، يظل هذا التعبير الشعبي فعلًا مؤقتًا يفتقر إلى الأثر المؤسسي المستدام.
أزمةُ التمثيل والشرعية تتعمّق مع اتساع المسافة بين القيادات والقواعد. تركّزُ القرار في أيدي نخبة ضيقة، واقتران التمويل بمصادر خارجية أو بشبكات نفوذ، يفرغان البرامج والبيانات من مضمونها، ويجعلان الدعم المجتمعي رهينًا بنتائج عملية قابلة للقياس، لا بخطاب تعبوي متكرر. في هذا الوضع، تتسع الفجوة بين القول والممارسة، وتضعف الثقة في قدرة المؤسسات على قيادة تحول ديمقراطي فعلي.
هذا التحليل ينطلق من مقاربة واقعية لنقاط الضعف، دون شيطنة للفاعلين السياسيين أو المدنيين. المعطيات المتاحة تشير إلى أن الإصلاح المستدام يقوم على توازن أربعة عناصر مترابطة: إعادة هيكلة السلطة داخل المؤسسات بما يوسّع المشاركة ويضمن تداول المسؤوليات؛ إرساء آليات تمويل ومحاسبة واضحة تربط الموارد بالشفافية؛ تطوير ثقافة تنظيمية ديمقراطية لدى القيادات والأطر الشابة؛ وتعزيز الحماية القانونية للممارسات الديمقراطية مع تقليص الضغوط الدافعة نحو المركزية.
ثلاثةُ مسارات متكاملة للإصلاح تفرض نفسها في هذا السياق. مسارٌ أول يرتبط بالإصلاح الداخلي للأحزاب والجمعيات عبر نصوص تنظيمية ملزمة تضبط الانتخابات الداخلية، تحدد مدد المسؤوليات، وتنشئ لجان رقابة مستقلة تشرف على الشفافية المالية والإدارية. مسارٌ ثانٍ يتصل بالإصلاح القانوني والإداري من خلال تشريعات صارمة تؤطر التمويل والمساءلة، مع اعتماد حوافز تشجع الالتزام بالمعايير الديمقراطية. مسارٌ ثالث يتعلّق ببناء ثقافة سياسية مواطِنة عبر برامج للتربية المدنية، وتكوين القيادات الشابة في الإدارة الديمقراطية، وإرساء منصات حوار دائمة بين القواعد والقيادات.
الدعمُ الخارجي والتقني لبرامج الشفافية والمواكبة القانونية يظل عنصرًا مساعدًا محدود الأثر ما لم يقترن بإصلاحات داخلية صارمة. عند هذا المستوى فقط، يتحول الخطاب الديمقراطي إلى ممارسة يومية متجذرة، بدل كونه أداة تواصلية ظرفية.
الحاجةُ الملحّة تتمثل في تحويل مطلب الديمقراطية في المغرب إلى ممارسة فعلية داخل الأحزاب والجمعيات والمجالس المحلية. هذا التحول يقتضي ربط الحقوق بالمساءلة، والبرامج بالشفافية، والقيادة بالمحاسبة. عند تحقق هذا الترابط، تتعزز الثقة بين المؤسسات والمواطنين، ويغدو المشهد الديمقراطي أكثر اتساقًا واستقرارًا، بما يفتح أفقًا حقيقيًا لتعددية فاعلة ومشاركة قائمة على الفعل لا على الخطاب.
الحسين خاوتي