في إطار تحليل الأزمات المعقدة التي تعيشها الدول التي عصف بها ما يسمى بالربيع العربي لا يمكن الفصل بين الفعل الدبلوماسي وبين السياق الجيوسياسي الذي يحتضنه، ولا بين المكان الذي يدار فيه الحوار والمصير الذي تؤول إليه المشاريع السياسية التي يحملها الفاعلون، وتقدم الحالة الليبية مثالا بالغ الدلالة على هذا التداخل، حيث تتقاطع مسارات الوساطة وتتصادم مشاريع إقامة الدولة مع منطق النفوذ، وتتحول بعض الأحداث إلى لحظات سياسية كاشفة لاختلالات أعمق في بنية الصراع.
لقد شكل الدور المغربي في الأزمة الليبية نموذجا متميزا في الدبلوماسية الإقليمية، قائما على منطق الاحتضان لا الهيمنة، وعلى توفير فضاء آمن للحوار بدل فرض موازين القوى، فمنذ اندلاع الأزمة إلتزم المغرب مقاربة ترتكز على احترام السيادة الليبية، وتشجيع الحوار الليبي–الليبي، والانحياز الواضح نحو مسار الحل السياسي التوافقي دون الاصطفاف مع أي طرف عسكري أو سياسي، هذا الخيار كان تعبيرا عن رؤية ملكية مغربية تعتبر أن استقرار الدول يبنى بالتوافق والحوار وإقامة المؤسسات بدل منطق القوة والصراع.
وقد تجسد هذا المنطق بشكل واضح في احتضان اتفاق الصخيرات سنة 2015، الذي مثل أول إطار توافقي جامع لتنظيم المرحلة الانتقالية في ليبيا برعاية أممية، ورغم ما واجهه الاتفاق من عراقيل فقد رسخ مبدأ الحوار كمرجعية وحيدة لإعادة بناء الشرعية وكرس دور المغرب كوسيط موثوق لا يسعى إلى التحكم في المخرجات ولكن إلى حماية المسار التفاوضي السلمي، وتعزز هذا الدور لاحقا من خلال حوارات بوزنيقة التي ركزت على توحيد المؤسسات السيادية إدراكا بأن أي حكومة وحدة وطنية تظل ضعيفة البنية ما لم تستند إلى مؤسسات سياسية وأمنية موحدة.
في المقابل ظل مسار توحيد الدولة الليبية خاصة مشروع توحيد الجيش والمؤسسات يصطدم ببيئة إقليمية ودولية معقدة ترى في استمرار الانقسام مصدرا مستداما للنفوذ، فليبيا الموحدة تعني دولة تملك قرارها السيادي، بينما ليبيا المنقسمة تظل ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح العسكرية والطاقية والاستراتيجية، ومن هنا تحول المشروع المؤسساتي الليبي الموحد من التطلع لحل سلمي نهائي إلى عنصر إزعاج استراتيجي لعدة أطراف.
في هذا السياق، يكتسب حادث سقوط الطائرة من طراز Dassault Falcon في الأراضي التركية الذي أودى بأحد أبرز رموز المشروع الليبي الموحد، رئيس الأركان العامة اللواء محمد علي أحمد الحداد والذي سعى مؤخرا إلى تكريس فكرة توحيد الجيش الليبي والوصول لحكومة واحدة موحدة تنهي التقسيم والحروب والتدخلات الأجنبية التي عمرت لأكثر من 15 سنة، -يكتسب الحادث- دلالة تتجاوز البعد التقني أو العرضي، فالسقوط كما جرى تداوله وقع في لحظة سياسية حساسة وفي فضاء جغرافي شديد الارتباط بتشابكات النفوذ العسكري والسياسي في ليبيا، وبغض النظر عن الحسم القاطع في طبيعة الحادث فإن مقاربته من زاوية العلوم السياسية والاستراتيجية تفرض قراءته بوصفه حدثا كاشفا لعمق الأزمة الليبية لا مجرد واقعة معزولة.
فالطائرة لم تكن تقل شخصا عاديا وإنما فاعلا مركزيا في مشروع توحيد الجيش وبناء قيادة عسكرية وطنية، وهو مشروع يعد في جوهره تهديدا مباشرا لكل معادلات الانقسام القائمة، كما أن مكان الحادث وطبيعة الرحلة وسياقها الزمني تجعل من الصعب فصل الواقعة عن صراع المشاريع داخل ليبيا وعن التناقض بين منطق بناء الدولة ومنطق إدارة الفوضى، وفي هذا المستوى من التحليل يصبح الحديث عن عطل تقني غير كاف لفهم المعنى السياسي للحدث، لأن الأهم ليس السؤال عن كيفية السقوط فقط بل ما الذي سقط معه.
لقد سقط مع الحادث على الأقل رمزيا جزء من أفق توحيد المؤسسات، وستعود ليبيا مجددا إلى منطق التنازع العسكري والفراغ المؤسساتي بما يخدم الأطراف المستفيدة من غياب مركز قرار وطني موحد، وهنا يظهر التباين الجوهري بين فضاءين: فضاء احتضن الحوار في أمن وأمان لأنه كان خارج منطق الصراع على النفوذ، وفضاء آخر تدار فيه الملفات السيادية الليبية داخل توازنات معقدة تجعل المشاريع الوطنية عرضة للاستنزاف أو الإغتيال.
إن المقارنة بين الحالتين ليست مقارنة اتهامية ولكن نعتبره تحليل بنيوي لاختلاف نماذج التدخل، فالمغرب عندما احتضن الحوار الليبي لم يربط وساطته بأي حضور عسكري أو مصلحة اقتصادية مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما جعل الحوار ممكنا حتى وإن تعثرت نتائجه لاحقا، أما حين تنتقل مشاريع الدولة الليبية الحساسة إلى ساحات تتداخل فيها الحسابات العسكرية والجيوسياسية فإن المخاطر تطال الأفراد وتطال معها المسارات نفسها حيث يصبح سقوط الطائرة بمفهومه الاستراتيجي اغتيالا لمشروع دولة وليس فقط تحطم طائرة و وفاة شخص بعينه.
إن الأزمة الليبية تكشف بوضوح أن بناء الدول لا يفشل دائما بسبب ضعف الداخل ولكن يتم إجهاضه أيضا بسبب تضارب المصالح الخارجية، وهنا يبرز الدور المغربي كنموذج دبلوماسي نادر راهن على الثقة والحياد الإيجابي وتوفير الفضاء الآمن للتوافق الليبي، في مقابل ذلك ظهرت بيئات أخرى تدار فيها الملفات السياسية بمنطق القوة والحسابات الاقتصادية والجغرافية، وبين احتضان آمن للحوار وسقوط غامض لمشروع دولة ليبية موحدة تتجلى حقيقة راسخة: أن ليبيا الموحدة ليست مستحيلة لكنها مكلفة، وأن كلفة قيام الدولة أعلى بكثير من كلفة استمرار الانقسام بالنسبة لكثير من الفاعلين الدوليين.