منتدى العمق

التخاطب الديني: نحو تحقيق مناط التزكية من خلال الاسترشاد بالنفحات الزكية _ملحق 1_

توطئة:

في مقال سابق نشرناه بعنوان “التخاطب الديني بين خُلق الفاعلية وخَلق الباعثية”، اختتمناه بالقول: “إن الفاعلية تخلُق الباعثية، وهذه تؤول إلى القابلية التي تُنتج الدافعية، وهذه المكونات تتآلف لإنتاج المفهوم المركزي في مشروع خطة تسديد التبليغ، ألا وهو “الاستجابة”.

في هذا الملحق المتمم، سنتناول الوحدات المعجمية التي تتآلف ويتألف منها عنوان هذا الملحق للمقال السابق، بدءًا ببنيتها ودلالتها في المحور الأول، ثم سنعود في المحور الثاني لتفصيل خلاصة الجزء الأول من المقال وقوفا عند مفاصل خطاطة التواصل الديني ببعض التفاصيل.

المحور الأول: الوحدات المعجمية المشَكلة للعنوان: بنيتها ودلالتها

يتخصص هذا المحور المدخلي للملحق المقالي في تقريب الوحدات المعجمية المــُشكلة لعنوانه، وفق تصورنا المعرفي والمنهجي الذي يحكم المبحث التحليلي لدينا من منطلق تعاقدي بيننا وبين القارئ الكريم ، رفعا لكل التباس معجمي ودلالي في سياق استعمالنا لهذه الوحدات اللفظية في مؤداها اللغوي والدلالي والوظيفي، فإلى التركيب المعجمي الفاتح:

1_التخاطب الديني: يتشكل هذا التركيب المعجمي من مضاف ومضاف إليه، يتحصل فيه لفظ “التخاطب” شرفه من كونه مضافا إلى الدين؛ الفاعل في التغيير لما يتضمنه من معارف لها طابع القدسية والروحية والغيبية مما يجعل الفرد المتلقي ومنه السامع يتفاعل معها وجدانيا من منطلق الفطرة السليمة وهو الغالب.

هذا، وسنعمَد للوقوف على ذلك هذا التوليف:

أ_التخاطب: يقال “خاطبه مخاطبة وخطابا: كالمه وحادثه و_وجه إليه كلاما ويقال: خاطبه في الأمر: حدثه بشأنه. تخاطَبَا: تكالما وتحادثا…، والخطاب: الكلام وفي التنزيل العزيز “فقال اكفلنيها وعزني في الخطاب، والخطبة الكلام المنثور يخاطب به متكلم فصيح جمعاً من الناس لإقناعهم ،ومن الكتاب صدره “[1]فيقال خطبة الكتاب أي مقدمته وورد في القرآن الكريم ” وَءَاتَيْنَٰهُ اُ۬لْحِكْمَةَ وَفَصْلَ اَ۬لْخِطَاب ” (ص19) ،وقد روى المفسرون عن معنى ذلك؛ قول الرجل: أما بعد،و هذا التركيب _أما بعد_ هو ما يفتتح به الواعظ موعظته والخطيب خطبته =خطابه بعد أدب الحمد والثناء على الله فالصلاة على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته ،” والخطاب هو المخاطبة”[2].

“فالخِطابُ الكَلامُ المــُخاطَبُ بِهِ، والفَصْلُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أوِ الكَلامُ الَّذِي يُنَبِّهُ المــُخاطَبَ عَلى المَقْصُودِ مِن غَيْرِ التِباسٍ …. فالخِطابُ بِمَعْنى الكَلامِ المــُخاطَبِ بِهِ أيْضًا…..
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِفَصْلِ الخِطابِ ،الخِطابُ القَصْدُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ اخْتِصارٌ مُخِلٌّ، ولا إشْباعٌ مُمِلٌّ”[3] ، والقصد هو النية ويعني كذلك الهدف وأن المبلِّغ له نية الكلام ويهدف منه غاية وهو التبليغ ؛تبليغ هداية.

ناقش النحاة صيغة التفاعل فخلصوا إلى قولهم: “ولا يشترط في ) التفاعل ( أن يفيد التشارك ….ومما يفيده التفاعل ؛ وقوع الحدث تدريجاً …..وقد يعني التفاعل ؛ مجرد وقوع الحدث “[4].

فإلقاء الخطاب أو التخاطب مجرد حدث، لكنه حدث تواصلي بامتياز بغرض القصدية؛ لتوطين مضمومات الخطاب حتى يؤدي وظيفته في السامعين وهو إقامة الدين وترشيد التدين.

ولا نعدم ما يؤكد كلامنا، في القصدية، فقد تحدث الأستاذ أحمد التوفيق عن “كلام منظم قاصد” كما تحدث عن “تسديد قصد”[5] في سياق ” الحكمة المطلوبة من العلماء هي الاجتهاد في العمل بما يجعل الخطاب الديني هادفا بنيويا يراعي الأولويات وذلك بمراعاة ضوابط يرسمها العلماء رسما جمعيا مجموعيا “.[6]

ومن فقه التبليغ، القصد البليغ؛ والقصد هنا هو التركيز على الهدف؛ تمكين المتلقي_بدل تلقينه_ من معارف أو من مهارة استثمار محصلاته المعرفية لدى الغالبية، لكوننا اليوم في زمن المعرفة بامتياز من حيث الوسيلة التي تذيعها وتنشرها بفضل الولوج الرقمي المتاح للأفراد والمجموعات باتساع توزيع شبكات الأنترنيت وخفض تكلفة الانضمام للإبحار الرقمي.

في ظل هذا الزخم المعرفي في عصر الفتح الرقمي، يلتزم بيداغوجيا التبليغ أخلاقيا؛ انطلاقا من مرجعية منظومة خطاب الثوابت الدينية والوطنية الانتقال من التلقين إلى التمكين عبر التمهير لخلق جسور التواصل الديني الدائم بين المتدخلين في التبليغ والمتدخَّل إليهم =في شأنهم.

فالقصدية في التخاطب الديني كما نفهمها، تكون للتثمين أو التغيير أو التأثير أو الترسيخ أو التأصيل، وقد مكننا القدر من صياغة هذه القصدية عرضا في اعتبارنا “مشروع خطة تسديد التبليغ، منهجا في التبليغ؛ ذلك أنه:

· يثمن المعرفة الدينية؛ لدى الورع.

· يؤسس للمعرفة الدينية؛ خطاب للتائب.

· يرسخ المعرفة الدينية؛ حال المتردد.

· يؤصل للمعرفة الدينية؛ وضعية المُصر.”[7]

في هذا المبحث الملحق نمنح لهذه القصدية صفة التداول =الاستعمال عقب تفكير في تلك الشبكة الدلالية والوظيفية للوحدات المعجمة الواردة في خطاطة التواصل الديني في مبتدأ الكلام في هذا اللاحق تأسيسا على الموردين البحثيين كما سنثبت في هوامش المقال.

هكذا إذن، تولدت لدينا فكرة محورية في كون مشروع خطة تسديد التبليغ، منهجا في التبليغ.

ولما كان الأمر مرتبطا بالدين، صار هذا الأمر أكثر اتساقا مع المدلول المراد بالتركيب المعجمي؛ التخاطب الديني في تبليغ الخطاب الديني.

فمستند المتحدث في الدين_ الواعظ أو الخطيب _ نص الوحي ومرتكزه في دعم فكره وتحقيق فهومه هو السنة ومرجعيته في الفهم مفسرو الوحي وشراح السنة أما أخلاقياته في الإفهام، فمقتبسة من عمل السلف الذين يستصدرون من مرجعية منظومة خطاب الثوابت الدينية والوطنية كما أشرنا وبها بشرنا غير ما مرة، وهي ضوابط منهجية للتخاطب الديني في بيئة يتجسر فيها العمل المسنون والأعراف المجتمعية فيما أسميناه سلفا بــــــ “بيئة التخاطب الديني ببلادنا “[8]، مما تأصل في الفكر الديني والحضاري المغربي.

وهكذا إذن، فالتخاطب الديني في المدلول الوظيفي والتداولي كما صغناه هو: “إنتاج وتوزيع وتلقي المعرفة الدينية ورسائلها، وكيفية بثها للتأثير في الفرد والمجتمع من خلال استثمار خوارزميات خطاطة التواصل الديني المدرجة في التقديم تأصيلا وفي المحور الثاني تفصيلا.”

ب_الدين: يتحدد تعريف المفاهيم من زاويتين:

لغوية واصطلاحية وهو مفهوم متشعب في التعريف من حيث هاتين الزاويتين فقد” ذكر علماء اللغة عدة تعريفات للدين من حيث عمومه، فمن هذه التعريفات اللغوية ما ذكره ابن فارس: “الدال والياء والنون أصلٌ واحد إليه يرجع فروعُه كلُّها. وهو جنسٌ من الانقياد والذُّل.

فالدِّين: الطاعة، يقال: دان له يَدِين دِيناً،…انقاد وطَاعَ. وقومٌ دِينٌ، أي مُطِيعون منقادون”.

فالدين إذن راجع إلى معنى الانقياد والطاعة والخضوع كما يقرر ابن فارس رحمه الله تعالى، وحين ننظر في كتب معاجم اللغة نجد أنها تذكر للدين عدة معان، وهي في الحقيقة ترجع إلى المعنى الذي ذكره ابن فارس.”[9]

وقد سبق أن خلصنا إلى أنه “يرد الدين لمعان منها “الطاعة والملة، والإسلام بمعنى الإيمان والطاعات “ومن الطاعات؛ الأخلاق، شرط التعبير عن القصد في النفس”[10]، والقصد في النفس هو النية، والدين؛ هو: الإيمان والإسلام والإحسان، غير أن من العلماء من لا يدرج الإحسان في الدين، وبذلك يقصُر المفهوم على الإيمان والإسلام، لكن لما ذا قالوا: إن هذه الثلاثة: الإيمان والإسلام والإحسان مراتب الدين؟

ومن مدلولات المفهوم _الدين_حسب سياق إيراده:

” الجَزَاءُ، ومنه: واللَّهُ دَيّان يَوْمِ الدِّيْنِ والقَضَاءُ، ومنه قَوْله عَز وجَل:) وإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} (١ {والطّاعَةُ، ومنه: دانُوا له، أي: انْقَادُوا وأطاعُوا……والعادَةُ: قال ابن فارس: فأمّا قولهم إِنّ العادة يقال لها دينٌ، فإن كان صحيحاً فلأنَّ النفسَ إذا اعتادت شيئاً مرَّتْ معه وانقادت له.”[11]

ومستوقِفي من هذه التعاريف ؛ اعتبار ابن فارس العادة دينا ،لأن العادات تصحب المجتمعات كما تصحب المجتمعاتُ الدينَ، وذلك من حيث الممارسات المؤطَّرة بالفطرة السليمة يصعب التمييز ما بين ما هو دين وعادة =عرف اجتماعي وقد تم الترقي بالعادة تشريعيا في علم أصول الفقه لتصاغ قاعدة في قولهم “العادة محكمة” فتصبح فصلا_العادة_ بتكرارها وتواردها وتواترها بروح الشريعة للفصل في التنازع والتقاضي ،وكون العادة عرفا ، فإن من معاني العرف: ما تعارف عليه الناس ،قال الله تعالى “خُذِ اِ۬لْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ… “الأعراف(199)،قال ابن جزي عن تفسير هذ الآية الكريمة ” أي المعروف وهو فعل الخير، وقيل العفو الجاري بين الناس من العوائد، واحتج المالكية بذلك على الحكم بالعوائد”[12]فاعتبروا عمل أهل المدينة أصلا من أصول الفقه المالكي وقد أخذ المغاربة به لاعتبار العمل معتبَرا في الاحتكام لضبط الإحكام في مسائل ونوازل مجتمعية فنجد العمل الغرناطي والعمل الفاسي والعمل السوسي ففي المؤدى الديني للمغاربة ما جرى به العمل والمتدخلون الدينيون أمناؤه في التبيين والممارسة للاقتداء والاستثمار للتأثير في الجماعة لكونه من صميم اختيارهم قرونا خلت ولارتباطه بالمقام النبوي تسنينا ذلك أن ” الحكم الفقهي بما تواتر من عملٍ بين الناس واستمر؛ رسَّخ في الوجدان الديني الرغبة في السير على المعروف من الأحكام، وعدم الإغراب في الدين والتدين.

وهذا المعنى هو الذي طوره المغاربة على المستوى المنهجي، فأحدثوا ما يسمى في الفقه المالكي -بالمغرب والأندلس -«ما جرى عليه العمل»، كالعمل الغرناطي، والعمل الفاسي، والعمل السوسي، وهلم جرا… “[13]

ويرى ابن عاشور أن “العُرْفُ اسْمٌ مُرادِفٌ لِلْمَعْرُوفِ مِنَ الأعْمالِ وهو الفِعْلُ الَّذِي تَعْرِفُهُ النُّفُوسُ أيْ لا تُنْكِرُهُ إذا خُلِّيَتْ وشَأْنَها بِدُونِ غَرَضٍ لَها في ضِدِّهِ، وقَدْ دَلَّ عَلى مُرادفَتِهِ لِلْمَعْرُوفِ قَوْلُ النّابِغَةِ: فَلا النُّكْرُ مَعْرُوفٌ ولا العُرْفُ ضائِعُ “[14]

فوازع القرآن أصل مؤسِّس ووازع السلطان مؤسَّس عليه وقد افتكرنا في ذلك مليا لنخلص كون وجود وازع آخر؛ وهو وازع العرف والعادة، ولكل مجتمعات أعرافها وعاداتها التي تَحكُمها وتُحكِّمها

داخل الجماعة الكبرى مما يدخل في التدين أو التقاضي أو العمل الاجتماعي، وفي التخاطب الديني يقتضي الأمر لدى المتدخل الديني_أخلاقيا ومهنيا الاستناد إلى تلك الأعراف المعتبرة شرعا وتشريعا انطلاقا من التوجيهات العامة الصادرة في باب التبليغ الديني.

ج_ تحقيق مناط التزكية: استعرنا مفهومي المناط والتزكية من حقلين معرفين هما:

الأول من “أصول الفقه” وهو المناط، والثاني من “التصوف “وهو التزكية وكلاهما مقصدين يسعى الباحث المقاصدي والناسك المتصوف لتحصيلهما.

فقد أفاد مفهوم المناط؛ لغويا موضع التعليق وفي اصطلاح علم أصول الفقه تعليق أمر بأمر وهو: العلة، وهو السبب.

إن اعتبار الدين حقائق حكمية وتصورات ومكارم وهداية ربانية نورانية ، يجعل مناط التدين في مبعث تحصيل كل ذلكم بقدر الجهد عن طريق الاجتهاد وعلى ذلك ، فالخطاب =التخاطب الديني يهدف إلى تمكين المخاطبين من مهارة توجيه معارفهم ومحمولاتهم الثقافية ومجمل تصوراتهم عن الدين بكونه حقائق وانطباعهم حول اجتهاد الأفراد في رفع منسوب التدين لديهم وفق مستلزمات الخطاب الديني الجامع الذي روحه التصوف والتربية عبر خلق تواز بين الاتقاء والإبقاء ؛ اتقاء التهلكات والموبيقات ، أي المفاسد بمسلكي التخلية والإبقاء على المصالح والبحث عن مظانها أي التحلية بالـمُـثل لتبلغ النفس _بالاجتهاد في رفع منسوب تدينها لتحقيق ؛ والتحقيق تصديق_مناط تدينها وهو مرتبة التزكية في تجسيد لمقصد الوحي “قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّيٰهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّيٰهَا” الشمس (10)

يقول ابن جزي في تفسير قوله سبحانه وتعالى ” قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا “…… قد أفلح من زكى نفسه أي طهّرها من الذنوب والعيوب ….” وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها ” فَمَعْنى ” دَسّاها “: أخْفاها بِالفُجُورِ.”[15]

ومن ذلكم نستفيد، أن من حسُن تدينه ورشد فقد طهّر نفسه من الذنوب والمعاصي، وأن من ساء تدينه، فقد فجر وعصى وعرّض نفسه للمآسي، فالرشد = الحال، سلطة على النفس الأمارة بالسوء.

د_التزكية: ذُكر لفظ التزكية ومشتقاته في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وسنركز على ما نحن إليه بحاجة بقدر الحاجة فيما أوردناه من الكلام من منظور “مشروع خطة تسديد التبليغ ” ومسعى التربية الروحية؛ التصوف الداخل حتما في التدين المرشود بل مداره عليه.

فقد ورد _لفظ التزكية_ في باب التذكير بالنعمة:

قال الله عز وجل: “كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِّنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمُۥٓ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ” البقرة ) 150 (، ومقضى الخطاب؛ شكر النعمة على الدوام لاستلزام ذلكم الزيادة مما تقرر وتكرر في الوحي:مصداقا لقول ربنا سبحانه:” لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمُۥٓ إِنَّ عَذَابِے لَشَدِيد” إبراهيم ) 9 (، كما ورد في باب الدعاء:”رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمُۥٓۖ إِنَّكَ أَنتَ اَ۬لْعَزِيزُ اُ۬لْحَكِيمُ”البقرة (128) .

ويستفاد منه أن يطلب العبد الله على أن يحقق هداية أسرته على يديه، فالتزكية إذن، مفهوم قرآني ومقصد في المبعث النبوي من خلال تصريح الوحي بذلكم في سور منها:” هُوَ اَ۬لذِے بَعَثَ فِے اِ۬لُامِّيِّـۧنَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِے ضَلَٰل مُّبِين “الجمعة (2) ، وورد في باب إخبار الله عباده بفضله ومنِّه عليهم وذلك في قوله سبحانه:” لَقَدْ مَنَّ اَ۬للَّهُ عَلَي اَ۬لْمُومِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِّنَ اَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اُ۬لْكِتَٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِے ضَلَٰل مُّبِينٍ” آل عمران (164).

فالتلاوة والتزكية والتعليم، وظائف النبوة وهي مفاهيم قرآنية تحفل بمعان كثيفة.

إن التلاوة تفيد التكرار والتذكير، فيما التزكية هي المقصد الأسنى في التخاطب الديني عبر أزمنة وأمكنة، أما التعليم فهو التبليغ والإيصال وبها يتحقق دوام الوصال واستصحاب الحال وطلب الرشد والاسترشاد.

2_ الاسترشاد بالنفحات الزكية

يعد التركيب المعجمي: “الاسترشاد بالنفحات الزكية” من التراكيب الأساسية في مبحثنا العلمي هذا.

فما هو الاسترشاد معجميا ودلاليا؟ وما الذي يعنيه تداول هذا التركيب؟ وما هي محقَّقاته؟

الاسترشاد، مصدر من فعل مزيد الحروف والزيادة في المبنى، زيادة في المعنى، فالألف والسين والتاء للطلب وبذلك فهو ” طلب الرشد والترشيد والرشاد ومن مشتقاته “الإرشاد والراشد والمرشد والرشيد والمرشود”.

وفي الاصطلاح التداولي، فالاسترشاد يؤول إلى معنى مستقر في النفس يهدي المرءَ لأقوم سبيل اتقاءَ كل مشوبة في دينه مما قد يتخلل تدينه فيختل به وقد يعتل، وذِكر اللفظ بالأصالة_الرشد ومشتقاته_ ينصرف للمجال الديني تعليما وتعلما، وبالتبع يشمل النصح والتوجيه عامة؛ فمن ذلكم مثلا لاحصرا ، مكتب الإرشادات في الإدارات العمومية ويافطات التشوير الطرقي وتحديد الاتجاهات” وأما الإرشاد في المجال الديني؛ فإنه آيل في النهاية إلى المعنى الأول، أي الموعظة.

وقد أفاد لفظ الإرشاد معنى التعليم صريحا في الحديث الذي أخرجه الحاكم في مستدركه، من طريق أبي الدرداء: أن رجلا لحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لمن حوله “أرشدوا أخاكم” أي علِّموه.”[16]

وعلى هذا الأساس إذن، فقد يلحن المرء في تدينه كما يلحن في كلامه؛ فيخطئ الصواب لعلة منقدحة، حينها وجب تعليمه من لدن من أُذن لهم في التبليغ، وعليه فالفهم يستلزم تعلم كيفية تحصيل تلك النفحات الزكية =الطيبة الطاهرة حتى تزكو نفس المؤمن بها وتصفو فتسمو خُلقه كما سما خَلقه في أحسن تقويم.

ومعنى النفحات: جمع نفحة، وهو “طيب ترتاح له النفس”يعرف حبيبه من نفحه”نفحة الطيب رائحته”[17]، والله تعالى يمنح فرصا لتحصيل نفحاته وقد ورد “افعلوا ‌الخير ‌دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يستر عوراتكم، وأن يؤمن روعاتكم”..[18]

فكلما حرص المرء على التعرض لهذه النفحات، فذلك دليل على قربه من الله وعلى كونه في مرضاة الله لأنه لا يُرى في لحظة معصية خشية الله.

هذا، ولا تعرف مظان هذه النفحات ليجتهد امرء في تحصيلها.

الزكية: لفظ مشتق من فعل زكا يزكو والنماء والطهارة والصلاح والنقاء والصفاء ومنه الزكاة.

والزكية وصف لما قبله مما يضاف إليه، وعليه فهو هنا وصف لتلك النفحات، ويقال رائحة زكية أي طيبة عطرة فواحة وفي ثقافتنا نستعمل العطر خلال لبسنا للثياب الجديدة أوالطاهرة عن طريق تتنظيفها لتوظيفها.

وورد في قول الله تعالى:”وَلَوْلَا فَضْلُ اُ۬للَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَيٰ مِنكُم مِّنَ اَحَدٍ اَبَدا وَلَٰكِنَّ اَ۬للَّهَ يُزَكِّے مَنْ يَّشَآءُۖ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم” النور(21). ومعناه “ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته لكم، ما تَطَهَّر منكم من أحد أبدا من دنس ذنوبه وشركه، ولكن الله يطهرُ من يشاء من خلقه”.[19]

قال ابن جزي “ذكر في النحل (زَكَا) أي تطهر من الذنوب، وصلح دينه.”[20]

وعلى ذلك فالمتعرض لتلكم النفحات؛ قد صلُح دينه ورشد تدينه وسلمت نفسه وصفت سريرته.

فإن النفس تزكو وتسمو وتطهر وتفوح، إذا التزمت الحق وفعلت الخير، مصداقا لقول ربنا سبحانه:”يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ اُ۪رْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وَافْعَلُواْ اُ۬لْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَۖ”الحج (75).

يتبع في المحق_ 2_

===============================

[1] المعجم الوسيط، رقمي qamus.inoor.ir

[2] الطبري

[3] روح المعاني للألوسي

[4] shamela.ws

[5] أحمد التوفيق: ثمرات الإيمان في حياة الإنسان، درس حسني رمضان 1444 هـ / مارس 2023 م موقع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة fm6oa.org

[6] المرجع ذاته.

[7] يراجع مقالين منشورين على التوالي: “التِّبيان البليغ فيما يرنو إليه مشروع “خطة تسديد التبليغ”: رؤية لإحياء القيم وتحقيق الحياة الطيبة ” و” مقتضى الأمر الجامع فيما ورد في الخطاب بالمسجد الجامع: تحليل وتعليل ” للكاتب محمد أكعبور

[8] يراجع مقال منشور بعنوان:” مقتضى الأمر الجامع فيما ورد في الخطاب بالمسجد الجامع: تحليل وتعليل” للكاتب محمد أكعبور

[9] shamela.ws

[10] حقيقة الدين وتقريب التدين، يراجع مقال منشور بعنوان: حقيقة الدين وتقريب التدين للكاتب محمد أكعبور

[11] shamela.ws سبق ذكره

[12] التسهيل لعلوم التنزيل tafsir.app

[13] عمل أهل المدينة موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية www.habous.gov.ma

[14] التحرير والتنوير tafsir.app

[15] ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل tafsir.app

[16] دليل الإمام والخطيب والواعظ، الوعظ والإرشاد تنميةٌ روحيةٌ www.habous.gov.ma

[17] ontology.birzeit.edu

[18] رواه انس بن مالك ، وهذا رقم الحديث:12312 بمنصة محمد السادس للحديث الشريف

[19] تفسير الطبري — ابن جرير الطبري

[20] التسهيل لعلوم التنزيل tafsir.app سبق ذكره