وجهة نظر

عبد الله ساعف: السياسة المغربية بين “قسم الهواة ” والمسؤولية الفكرية

في افتتاح الموسم الجامعي 2025-2026 بكلية الحقوق بأكدال – الرباط، قدّم المفكر والوزير السابق عبد الله ساعف درسًا افتتاحيًا حمل جرأة نقدية وعمقًا أكاديميًا. مداخلته، الموسومة بـ”علم السياسة بالمغرب: السلطة والمسؤولية الفكرية”، لم تكن مجرد عرض تقليدي، بل وقفة تستنهض الوعي بواقع السياسة وتضع النخب أمام مسؤوليتها التاريخية.
 
من القلب النابض إلى قسم الهواة
يرى ساعف أن السياسة، التي كانت حتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين القلب النابض للسجالات المجتمعية، فقدت مركزيتها وتراجعت إلى الهوامش. شبّه الوضع بـ”نزول السياسة إلى قسم الهواة”، في إشارة إلى ضعف النخب والآليات الفكرية التي كانت تمنح الوعي الجمعي زخماً وجوديًا. وهو ما يطرح سؤالًا وجوديًا: ما جدوى الاشتغال بعلم السياسة إذا فقدت السياسة الفعلية قدرتها على صياغة المستقبل؟
 
الهروب المنهجي للنخب
أبرز ساعف ظاهرة “الهروب المنهجي” نحو العلاقات الدولية والمواضيع التقنية العالمية، مثل التغيرات المناخية والرقمنة والذكاء الاصطناعي. رغم أهميتها، تتحول هذه القضايا إلى “حجاب أكاديمي” يحجب النظر عن الإشكاليات الداخلية الحارقة. هذه الظاهرة، كما يوضح، ليست مغربية فقط، بل تتكرر في تجارب عربية أخرى حيث يحل التحليل الدولي محل مساءلة الداخل.
 
تفكيك حقل الألغام
قسّم ساعف “حقل الألغام” السياسي إلى ثلاثة مستويات:
• الزوايا الميتة: التحولات الطبقية، سوسيولوجيا الشباب الهامشي، بنية العائلة والتدين غير المؤسساتي.
• الآليات الدقيقة للسلطة: توزيع القوة الفعلي، تشابك الثروة بالقرار السياسي، صعود النخب المالية والتقنوقراطية.
• المواضيع الرسمية: التركيز على المساحات “الآمنة” مثل الانتخابات والمراجعات الدستورية الشكلية، دون مساءلة الجوهر الاجتماعي للسلطة.
 
المسؤولية الفكرية والشجاعة البحثية
استحضر ساعف أفكار ماكس فيبر حول “العالم والسياسي”، مؤكداً أن الباحث مدعو للحفاظ على فارق معرفي جذري عن خطاب الشارع والإعلام. المسؤولية الفكرية تعني شجاعة طرح الأسئلة الحارقة واستخدام النظريات لفهم التحولات المغربية بعيدًا عن السطحية.
 
السياسة كخيار وجودي
استعاد ساعف رسالة ماكيافيلي الشهيرة ليؤكد أن السياسة، رغم انحدارها الظاهري، تظل خيارًا وجوديًا يمنح الحياة معناها. ودعا إلى “جرد ببليوغرافي شامل” للإنتاج العلمي المغربي في العلوم السياسية، كخطوة أولى نحو ورش التجديد الحقيقي.
السياسة المغربية في مفترق الطرق
خلص ساعف إلى أن الأزمة تتجاوز حدود الدرس الأكاديمي. ففي ظل هيمنة الحلول التقنية وتراجع الأيديولوجي، يبرز خطر تحول المؤسسات السياسية إلى هياكل بلا روح. ونداؤه لإخراج السياسة من “قسم الهواة” هو دعوة لإعادة الاعتبار للمثقف والفاعل السياسي، القادر على تحويل الصراعات الصامتة إلى نقاشات عامة تؤدي إلى تعاقدات اجتماعية جديدة ومستدامة.