منتدى العمق

كأس إفريقيا 2025 بالمغرب: رافعة استراتيجية للاقتصاد والقوة الناعمة

جسد احتضان المملكة المغربية لنسخة كأس إفريقيا للأمم 2025 لحظة مفصلية في تاريخ الكرة الإفريقية، بعدما استطاعت تحويل البطولة إلى واجهة تعكس قدرته على تنظيم الأحداث الكبرى وفق معايير دولية، ونموذجًا تنظيميًا متكاملاً على مستوى البنيات التحتية ونجاعة التدبير. ساهم هذا التنظيم المتميز في رفع المستوى الفني للمباريات، ومنح المنتخبات المشاركة ظروفًا احترافية قلّ نظيرها في تاريخ المسابقة، ما يعكس قدرة المملكة على الجمع بين الأداء الرياضي الراقي والتخطيط المؤسسي المتقدم.

هذا التفوق لم يكن وليد لحظة عابرة، بل هو نتيجة رؤية دولة واعية بالأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية للرياضة، جعلت منها أداة للدبلوماسية الناعمة، ووسيلة لتعزيز الانتماء الوطني ومحركًا للتنمية الشامبة. فمنذ المناظرة الوطنية للرياضة بالصخيرات سنة 2008، تم إدماج كرة القدم وباقي الرياضات ضمن السياسات العمومية، ليس فقط من زاوية الترفيه أو التنافس، بل باعتبارها رافعة للتنمية المجالية وأداة لتعزيز صورة المغرب كبلد مستقر ومنفتح وقادر على التنظيم.

وقد تُرجم هذا الخيار من خلال استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرياضية، شملت تشييد وتأهيل ملاعب حديثة بعدد من المدن (الرباط، الدار البيضاء، أكادير، طنجة، مراكش…)، إلى جانب تطوير شبكات النقل والفندقة والخدمات المرتبطة باحتضان التظاهرات الكبرى، بما يتوافق مع المعايير الدولية المعتمدة من طرف الاتحاد الإفريقي لكرة القدم والاتحاد الدولي (فيفا).

كأس إفريقيا من تظاهرة كروية إلى محرك اقتصادي وطني

يمثل تنظيم كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب فرصة حقيقية لتنشيط الدورة الاقتصادية الوطنية، بالنظر إلى الأثر المتعدد القطاعات الذي تخلّفه التظاهرات الرياضية الكبرى. وتشير التقديرات إلى أن العائدات الإجمالية المرتبطة بالبطولة قد تصل إلى حوالي 12 مليار درهم مغربي (نحو 1.1 مليار يورو) ، نتيجة الإنفاق المباشر وغير المباشر للجماهير والمنتخبات والوفود الرسمية، خاصة في قطاعات السياحة، النقل، الفندقة، التجارة والخدمات. ومن المرتقب أن تستقطب البطولة أكثر من مليون زائر بين مشجعين وسياح وإعلاميين، ما سيساهم في رفع معدلات الإشغال الفندقي وتعزيز مداخيل المدن المستضيفة.

ويكتسي هذا الأثر أهمية مضاعفة في ظل الدينامية الإيجابية التي يعرفها القطاع السياحي، حيث استقبل المغرب أكثر من 17.4 مليون سائح سنة 2024، وهو رقم قياسي يعكس تنامي جاذبية الوجهة المغربية، علماً أن السياحة تساهم بحوالي 7% من الناتج الداخلي الخام. كما يشكل الحدث مناسبة لتسويق المدن المغربية إفريقيًا ودوليًا، وتعزيز صورتها كوجهات استثمارية وسياحية قادرة على احتضان التظاهرات الكبرى، في سياق تنافسي إقليمي متزايد، خاصة مع اقتراب استحقاق تنظيم كأس العالم 2030 بشكل مشترك مع اسبانيا والبرتغال، ما يجعل من كأس إفريقيا ليس فقط حدثًا رياضيًا ظرفيًا، بل محركًا اقتصاديًا واستثماريًا ذا امتدادات متوسطة وطويلة المدى.

كرة القدم من نشاط رياضي إلى قوة دبلوماسية ناعمة

في عالم يتسارع فيه الصراع على النفوذ الدولي، تحولت كرة القدم من مجرد لعبة شعبية إلى أداة قوية ضمن ترسانة “الدبلوماسية الناعمة”. هذا المفهوم، الذي صاغه الخبير الأمريكي جوزيف ناي، يقوم على استخدام الجاذبية الثقافية والرياضية لتعزيز الصورة الوطنية دون اللجوء إلى القوة العسكرية.

لقد شهدت عدة دول عبر التاريخ كيفية توظيف الرياضة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية: ففي السبعينيات استخدمت البرازيل كرة القدم لتعزيز صورتها الديمقراطية بعد سنوات من الديكتاتورية، بينما استضافت إنجلترا كأس العالم 1966 في ظل أزمة اقتصادية خانقة، واستُغلت البطولة كأداة لتنشيط الاقتصاد المحلي، خلق فرص عمل مؤقتة، وتعزيز السياحة والثقة الوطنية، مع رفع مكانة البلاد على الصعيد الدولي. أما في العصر المعاصر فقد نجحت قطر في استضافة كأس العالم 2022 لتحويل صورتها الإقليمية وتعزيز حضورها الدولي.

واليوم، باتت بطولة كأس إفريقيا 2025 في المغرب أكثر من مجرد نشاط ترفيهي أو تظاهرة رياضية قارية؛ بل تمثل رافعة استراتيجية متعددة الأبعاد تتقاطع فيها رهانات الاقتصاد والدبلوماسية وصناعة الصورة، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتصاعد المنافسة على النفوذ والتموقع الاستراتيجي داخل القارة الإفريقية، بعيدًا عن القنوات الدبلوماسية التقليدية.

في هذا السياق، تتيح الدبلوماسية الرياضية للدول إرسال رسائل ضمنية أكثر تأثيرًا من الخطابات السياسية المباشرة، حيث تُبنى الثقة عبر التجربة الميدانية والتفاعل الإنساني، لا عبر البلاغات الرسمية، مما يعزز الموقع التفاوضي للمغرب داخل القارة ويدعم حضوره في الشبكات الدبلوماسية الشعبية والثقافية.

ولا يمكن فصل هذا الزخم التنظيمي عن المسار التصاعدي للرياضة المغربية خلال السنوات الأخيرة، والذي تكلل بإنجازات غير مسبوقة، أبرزها بلوغ المنتخب الوطني نصف نهائي كأس العالم قطر 2022 وسط حضور جماهيري مكثف، ثم التتويجات القارية والعالمية في الفئات السنية، والميدالية البرونزية في أولمبياد باريس 2024، إضافة إلى الفوز التاريخي بالنسخة الأخيرة من كأس العرب في قطر بقيادة طارق السكيتيوي.

هذه الإنجازات عززت صورة المغرب كقوة رياضية صاعدة وكبلد قادر على جمع الأمة خلف منتخبه الوطني وإظهار حيوية الرياضة المغربية على المستوى الإقليمي والدولي. كما منحته رصيدًا رمزيًا مهمًا استُثمر في تعزيز حضوره وفي الدفاع عن قضاياه الاستراتيجية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، عبر آليات الشرعية والاعتراف المؤسساتي.

كأس إفريقيا بروفة لمونديال 2030 واختبار للحكامة الداخلية

يشكل كأس إفريقيا للأمم 2025 اختبارًا داخليًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تحويل الإنجاز الرمزي والتنظيمي إلى أثر اجتماعي وتنموي ملموس. فالتحدي لا يقتصر على نجاح التنظيم من حيث الشكل، بل يمتد إلى مدى قدرة السياسات العمومية على ربط الاستثمار الرياضي بقضايا التشغيل، والإدماج الاجتماعي، والتنمية المجالية، وتقليص الفوارق الترابية، بما يضمن توزيعًا عادلًا لمنافع الحدث وعدم حصر عوائده في المدن الكبرى أو في زمن البطولة فقط. ويُعد هذا البعد الاجتماعي عنصرًا حاسمًا في قياس استدامة الأثر، حتى لا يبقى الإشعاع الخارجي منفصلًا عن الانتظارات الداخلية للمواطنين.

وفي الوقت ذاته، تمثل البطولة بروفة عملية شاملة لاستحقاق تنظيم كأس العالم 2030، سواء من حيث الجاهزية اللوجستية والبنية التحتية، أو التنسيق الأمني متعدد المستويات، أو إدارة الحشود والتنقلات، أو التحكم في السردية الإعلامية والتواصل الاستراتيجي مع الرأي العام الدولي. وتمنح هذه التجربة للمغرب فرصة اختبار فعالية نماذج الحكامة المعتمدة، وقدرته على تدبير حدث رياضي كبير في سياق واقعي ومعقد، بما يسمح بتصحيح الاختلالات وتعزيز نقاط القوة قبل الموعد العالمي، وترسيخ موقعه كفاعل موثوق في تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى.

خلاصة

تؤكد تجربة المغرب مع كأس إفريقيا أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل أداة استراتيجية في بناء النفوذ وصناعة الصورة، وتحقيق المكاسب الاقتصادية والدبلوماسية. وبين الرهان القاري والطموح العالمي، يسعى المغرب إلى ترسيخ نموذج يقوم على توظيف الرياضة كقوة ناعمة تخدم التنمية، وتعزز الحضور الدولي، وتدعم القضايا الوطنية، في أفق جعل الإشعاع الخارجي رافعة حقيقية للتماسك الداخلي.