وجهة نظر

الجزائر وتقرير المصير: ازدواجية المعايير وسلاح العداء ضد الجوار

منذ نشأتها، لم تعرف الجزائر معنى الدولة الوطنية المستقلة بقدر ما عرفت التبعية بأشكالها المختلفة. فعلى مدى أزيد من ثلاثة قرون، لم تكن سوى إيالة عثمانية هامشية تدار من إسطنبول، قبل أن تُسلم سنة 1830 للاستعمار الفرنسي الذي جثم على صدرها قرنًا ونصف القرن، صاغ خلاله نخبًا عسكرية وإدارية مقطوعة الجذور، منفصلة عن محيطها، ومشبعة بثقافة المستعمِر. وعندما نالت استقلالها سنة 1962، خرجت الجزائر من الاحتلال الفرنسي مثقلة بعقد النقص، تحكمها عصابة عسكرية وُصفت بدقة في الوعي المغاربي بـ«الكراغلة أبناء فرنسا»، لا مشروع لها سوى تصدير أزماتها وبناء شرعيتها على العداء للجيران.

وبدل أن يكون الاستقلال لحظة تصالح وبناء، دشنت الجزائر وجودها السياسي الحديث بالعدوان، فكانت حرب الرمال سنة 1963 ضد المملكة المغربية، تلتها عملية سطو ممنهجة على أراض مغربية في الصحراء الشرقية، في سابقة كشفت منذ البداية طبيعة النظام القائم: نظام لا يعيش إلا على الصراع، ولا يبرر وجوده إلا بالخصومة المفتعلة. ومنذ ذلك التاريخ، تحوّل المغرب إلى العدو الوظيفي الدائم، تستدعى قضيته كلما اهتز الداخل الجزائري ” العشرية السوداء” أو ضاقت شرعية الحكم العسكري.

وعندما فشلت كل محاولات المواجهة المباشرة مع المملكة المغربية، لجأ النظام الجزائري إلى أخبث الأساليب وأكثرها عداءا: اختراع نزاع مصطنع تحت شعار “تقرير المصير” الكاذب. فجرى تحريض واستدراج شباب ابناء مقاومين مغاربة من مدن مخنلفة من بينها مدينتي طانطان وكلميم، واقتلاعهم من سياقهم الوطني، لتأسيس كيان وهمي سُمي “جبهة البوليساريو”، لم يكن يومًا تعبيرًا عن إرادة الصحراويين، بل مجرد أداة قذرة في يد الجزائر، تُمول وتُسلح وتوجه من خارج الصحراء لخدمة هوس مرضي بمعاداة المملكة .

ليست قضية «تقرير المصير» في الخطاب الجزائري مبدأً ثابتا أو التزاما أخلاقيا بقدر ما هي أداة سياسية انتقائية تُستحضر حين تُسخر لخدمة أجندة إقليمية محددة، وتُقصى كلما اقتربت من الداخل الجزائري أو مست استقرار الحلفاء. فمنذ أكثر من نصف قرن، استُخدم هذا الشعار لتبرير رعاية ودعم مشروع انفصالي موجه ضد الوحدة الترابية للمغرب، في حين تم تجاهله أو محاربته كلما ظهر في سياقات لا تخدم حسابات النظام الجزائري.

وهكذا تحول «تقرير المصير» من حق كوني إلى وسيلة ضغط تدار بمنطق الخصومة لا بمنطق المبادئ.
هذا التناقض يتجلى بوضوح أكبر عند استحضار المادة 32 من الدستور الجزائري، التي تنص صراحة على حق الشعوب في تقرير مصيرها. فلو كان هذا النص يُؤخذ على محمل الجد، لكان من المنطقي أن تنسجم السياسة الخارجية الجزائرية معه دون انتقائية. غير أن الواقع يكشف عكس ذلك تمامًا، إذ يقابَل هذا الحق بالصمت أو الرفض حين يتعلق الأمر بمطالب القبايل بزعامة الرئيس فرحات مهني ، أو بإنكار واقع قائم مثل صوماليلاند، أو بتجاهل حالات أخرى مماثلة، مقابل حماس استثنائي ومفرط لقضية واحدة فقط، جرى تحويلها إلى أداة لاستهداف المغرب عسكريا وسياسيًا ودبلوماسيًا.

ولا يمكن فهم هذا السلوك دون العودة إلى جذوره التاريخية، خاصة ما وقع بخصوص جزر الكناري في ستينيات القرن الماضي، حين احتضنت الجزائر أنطونيو كوبيو، مؤسس حركة تحرير جزر الكناري، ووفّرت له الدعم المالي و السياسي والدبلوماسي، بل ومارست ضغوطًا داخل منظمة الوحدة الإفريقية لدفعها نحو الاعتراف بالحركة الانفصالية. لقد كانت تلك محاولة واضحة لفك ارتباط الأرخبيل بإسبانيا، باستعمال الخطاب نفسه والآليات ذاتها التي ستستخدم لاحقا ضد المغرب عبر بوابة البوليساريو، ما يؤكد أن منطق التوظيف السياسي كان حاضرًا منذ البداية.

ويمتد هذا الكيل بمكيالين ليشمل منظمة الوحدة الإفريقية، ثم الاتحاد الإفريقي لاحقًا، التي خضعت في محطات مفصلية لضغوط مباشرة، خاصة من الجزائر. فقد سارعت المنظمة إلى الاعتراف بالبوليساريو في سياق سياسي متوتر، متجاوزة مبدأ احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار، في حين رفضت الاعتراف بجمهورية أرض الصومال، رغم توفرها على مؤسسات قائمة واستقرار سياسي وأمني، ورغم اعتراف دول خارج القارة بها. وهو ما يفضح بوضوح أن «تقرير المصير» داخل المنظمة لم يكن معيارا قانونيا موحدا، بل قرارا خاضعا لموازين القوى والنفوذ.

إن هذه الازدواجية وضعت الاتحاد الإفريقي في حرج عميق، وحملته عبئا سياسيًا وأخلاقيًا لا يزال يؤثر في مصداقيته ودوره. فقد جرى إدخال كيان وهمي إلى هياكله بطرق اتسمت بالكثير من المكر والخداع، خدمة لأهداف سياسية جزائرية واضحة، من بينها محاصرة المغرب والسعي إلى فرض وقائع جيوسياسية مصطنعة، بل وحتى البحث عن منفذ إلى المحيط الأطلسي عبر توتير محيطه الإقليمي.

إن إدانة هذا الوضع تقتضي إدانة السياسة العدائية التي انتهجتها الجزائر تجاه جيرانها، القائمة على تصدير الأزمات وافتعال النزاعات بدل بناء علاقات تعاون وتكامل. فالمشكلة ليست في مبدأ تقرير المصير كحق إنساني، بل في تحويله إلى سلاح سياسي يُشهر ضد الخصوم ويُحرم على الداخل. وعندما تُجزأ المبادئ وتفصل على المقاس، فإنها تفقد قيمتها، ويصبح من يرفعها أول من يدين نفسه قبل أن يدين غيره، فيما يبقى الأمل معقودًا على عودة الوعي والرشد إلى الفضاء الإفريقي لتصحيح هذا الانحراف التاريخي.