أكد الدكتور إسماعيل سراج الدين، الخبير المصري الدولي ونائب رئيس البنك الدولي سابقا، ضرورة عدم انسياق البشر وراء المخاوف المتصاعدة عالميا بشأن تأثيرات الذكاء الاصطناعي على مستقبل الوظائف، داعيا إلى تغيير النظرة السائدة تجاه هذه التكنولوجيا واعتبارها فرصة حقيقية لتحسين جودة العمل والحياة بدلا من التعامل معها كتهديد وجودي، وذلك خلال تصريحات خاصة أدلى بها لـ “أخبار الأمم المتحدة” عقب مشاركته في ندوة حول الذكاء الاصطناعي عُقدت ضمن فعاليات المنتدى الدولي لتحالف الأمم المتحدة للحضارات في الرياض يومي 14 و15 دجنبر المنصرم.
وأوضح سراج الدين في سياق حديثه للمنصة الأممية أن حالة الذعر من فقدان الوظائف ليست ظاهرة جديدة، بل هي رد فعل متكرر صاحب كل طفرة تكنولوجية كبرى في التاريخ البشري، مشددا على أن الذكاء الاصطناعي يسير على النهج التطوري نفسه الذي يغير طبيعة الوظائف وأدواتها، لكنه لا يؤدي إلى استبدال الإنسان كعنصر فاعل وأساسي في معادلة العمل.
واستشهد الخبير الدولي بمثال تاريخي ملموس يتعلق بمهنة المحاسبة عند ظهور الحاسبات الإلكترونية، حيث ساد اعتقاد واسع حينها بأن التكنولوجيا ستقضي على وظائف المحاسبين، إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك تماما، فقد تحولت طبيعة عمل المحاسب من الجمع والتدوين اليدوي للأرقام إلى استخدام برمجيات متطورة تسهل المهام، مما أدى في النهاية إلى زيادة أعداد المحاسبين وارتفاع رواتبهم وزيادة الإقبال الأكاديمي على هذا التخصص بدلا من اندثاره.
وتطرق المدير المؤسس لمكتبة الإسكندرية، انطلاقا من خبرته الطويلة في مجال علوم المعلومات، إلى التحول الجذري الذي ستشهده قطاعات المكتبات والأرشيف، مبينا أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ستمكن المتخصصين من الانتقال من مجرد البحث التقليدي عبر الكلمات المفتاحية إلى التعامل العميق مع مضمون المعرفة ذاته، وهو ما سيرفع الطلب على الخبرات البشرية المتخصصة القادرة على إدارة هذا الكم الهائل من المعلومات، شريطة عدم الاكتفاء بالخبرات القديمة وتطويع الأدوات الحديثة.
وشدد سراج الدين على ضرورة اقتران الدعم القوي لاستخدام التكنولوجيا بفرض مسؤوليات أخلاقية وتنظيمية صارمة، لا سيما فيما يخص منصات التواصل الاجتماعي، رافضا اعتبار هذه المنصات مجرد شركات خدمات توفر مساحة للنشر دون رقابة، ومقترحا تطبيق معايير دور النشر عليها، بحيث تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن المحتوى الذي تسمح بنشره، سواء كان خطابا للكراهية أو تضليلا أو تدخلا في نزاهة الانتخابات، خاصة أنها تمتلك الأدوات التقنية اللازمة للرصد والمكافحة.
واختتم سراج الدين حديثه بتوجيه رسالة تحذيرية حاسمة لكل من يتخوف من المستقبل، مستخلصا العبرة من نقاش طبي حضره مؤخرا، ليؤكد قاعدة ذهبية مفادها أن الذكاء الاصطناعي لن يأخذ وظيفة الطبيب أو أي مهني آخر، ولكن المهني الذي يجيد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي هو من سيحل محل زميله الذي يجهل التعامل معها أو يصر على البقاء في الماضي، لأن عجلة التقدم لن تتوقف.