إبليس ليس مجرد شخصية غيبية تُروى، بل هو فكرة تتجدد في كل عصر، وتتجسد في أشكال مختلفة بحسب السياق العام، فحين نقرأ قصة إبليس سنكتشف أنه لم يكن مجرد كائن متمرد فحسب، بل كان أيضا رمز للإغواء الذي يختبر إرادة الإنسان، قد يقول البعض أو الكل أني بصدد قراءة تقليدية لشخصية إبليس ولكن حتى وإن تجاوزنا هذه القراءة التقليدية فسنجد أن إبليس اليوم يعيش بيننا كفكرة، يتجسد في سلوكياتنا اليومية وفي اختياراتنا الصغيرة، وحتى في لحظات الصمت التي نختار فيها التواطؤ بدل المواجهة.
إبليس كان رمزا للتمرد من خلال رفض السجود الذي كان لحظة فاصلة في مساره إلى اليوم ، لكن هذا الطرح يستدعي سؤالا عميقا حول ماهية التمرد في حياتنا، فقد يكون التمرد رفضا للظلم، وقد يكون رفضا للمسؤولية ، فحين يرفض الإنسان تحمل المسؤولية ، فإن هذا التمرد يصبح نسخة حديثة ومتحورة من إبليس، وهنا تكمن خطورة الفكرة في تجنب تحمل المسؤولية وتصدير الأزمة للخارج أو في وجود كائن خارجي ليتحول الأمر فيما بعد سلوك داخلي يضعف شخصية الإنسان.
إبليس أيضا فكرة الإغواء فهو لم يفرض الشر بالقوة، بل أغوى إليه بطرق ملتوية مستغلا حاجة الآخر وبمقارنة بسيطة مع سياق زمننا الحالي فالإغواء لا يأتي من وسوسة خفية فقط، بل من تدفق الأخبار المضللة، من الاستهلاك الرقمي المفرط، ومن ثقافة اللامبالاة التي تجعلنا نختار الراحة على حساب الفعل، قد نكتفي بضغط زر “أعجبني ” ونستسلم لإغواء المشاركة السطحية بدل الفعل الحقيقي.
إبليس هنا ليس في الغيب، بل في الخوارزميات التي تسرق وعينا، وفي العادات التي تقتل قدرتنا على التفكير النقدي ورفض التطبيع ليس مع إسرائيل فحسب بل حتى مع أساطير بائدة وترهات تم إنتاجها في عهد الأبيض والأسود ولم تستطع التكنولوجيا تلوينها ولا محوها، لهذا فإن الخطورة هنا تتجلى أيضا في كون إبليس فكرة داخلية في لحظة أنانية، في كلمة صمت عن الحق، في تواطؤ صغير مع فساد نراه ولا نواجهه في البحث عن وجهة غير معروفة كمنبع للشر ، رافضين الاعتراف أن الشر هو كل قرار يومي نتخذه حين نختار أن نغض الطرف ومتجاهلين مواجهة أنفسنا أولا وأن نمتلك شجاعة الاعتراف بأننا جزء من المشكلة ثانيا، وأن التغيير يبدأ من داخلنا قبل أن نطالب به من الآخرين ثالثا.
إبليس فكرة، والفكرة لا تقتل، لكنها تقاوم بالوعي خصوصا عندما حين ندرك أن الشر ليس بعيدًا عنا، بل قريب منا، آنذاك نصبح قادرين على تحويل الغضب إلى طاقة بناءة، والنقد إلى اقتراح، والصرخة إلى فعل ، ذلك لأن التغيير الذي ننشده لا يصنعه الضجيج وحده بل يصنعه ذلك الصمت الذي يسبق الكلمة ، وتلك المشاركة التي تترجم الفكرة إلى مشروع جماعي عوض أن نلعن شخصية إبليس وفقط ، فاللعن مفروض ونسب كل شيء لإبليس مرفوض والانتصار على الفكرة لا يكون بالهروب أو بالإنكار، بل بالوعي، بالمسؤولية، وبالإصرار على أن نصنع مجتمعًا لا يترك الشر يتجسد في صمتنا. إبليس فكرة، ومقاومة الفكرة هي بداية الطريق.
تعليقات الزوار
قول ابليس لله تعالى في سورة ص، الآية 82، وهي: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}، ومعناها أنه أقسم بعزة الله وقدرته أنه سيُضل جميع بني آدم عن طريق الحق، إلا عباد الله المخلصين، وتأتي هذه الآية ضمن حوار إبليس مع ربه بعد أن طلب الإنظار حتى يوم القيامة.