منتدى العمق

كاراكاس في محك الشرعية

أعاد الهجوم العسكري الذي استهدف العاصمة الفنزويلية كراكاس، وما رافقه من إعلان عن اعتقال أو نقل رئيس الجمهورية نيكولاس مادورو خارج بلاده، طرح أسئلة جوهرية تتجاوز الحدث في ذاته، لتلامس أسس النظام الدولي المعاصر ومبادئ الشرعية الدستورية داخل الدول. فبعيدا عن المواقف السياسية والاصطفافات الإيديولوجية، يفرض هذا التطور قراءة قانونية هادئة، تستحضر مقتضيات القانون الدولي العام، كما تستحضر منطق الدستور بوصفه التعبير الأسمى عن السيادة الداخلية.

أولا: الهجوم العسكري وحدود الشرعية الدولية

يقوم النظام الدولي، منذ إقرار ميثاق الأمم المتحدة، على مبدأ مركزي يتمثل في حظر استعمال القوة في العلاقات الدولية، إلا في حالات استثنائية محددة بدقة، أبرزها الدفاع الشرعي عن النفس أو التدخل بناءً على تفويض صريح من مجلس الأمن. وبالعودة إلى الهجوم على فنزويلا، لا يظهر في الأفق، إلى حدود اللحظة، أي سند قانوني أممي يبرر تدخلا عسكريا مباشرا داخل إقليم دولة ذات سيادة.

إن أي محاولة لتبرير الهجوم بذرائع من قبيل “حماية الديمقراطية” أو “محاربة الجريمة العابرة للحدود” تصطدم بحقيقة قانونية ثابتة، مفادها أن القانون الدولي لا يعترف بحق الدولة المنفردة في أن تنصب نفسها قاضيا ومنفذا للعقوبة خارج حدودها. فالشرعية الدولية لا تبنى على النوايا المعلنة، بل على الإجراءات والمؤسسات، وفي مقدمتها مجلس الأمن باعتباره الجهة الوحيدة المخولة بإضفاء المشروعية على استخدام القوة الجماعية.

ثانيا: نقل أو احتجاز رئيس دولة بين منطق القوة ومنطق القانون

إذا ثبت أن رئيس الدولة الفنزويلية قد نُقل قسرا إلى خارج بلاده بفعل تدخل عسكري أجنبي، فإن الواقعة تندرج في نطاق الانتهاك الجسيم لسيادة الدولة، وتمثل مساسا مباشرا بالمركز القانوني لرئيس الدولة، الذي يتمتع، بحكم وظيفته، بحصانة خاصة في القانون الدولي.

فحتى في الحالات التي تثار فيها مسؤولية جنائية محتملة لرؤساء الدول، يظل المسار القانوني الوحيد هو المسار القضائي الدولي أو آليات التسليم المتعارف عليها، وليس العمليات العسكرية أو ما يشبه “الاختطاف العابر للحدود”. إن القبول بمثل هذا السلوك يفتح الباب أمام منطق الغلبة، ويفرغ قواعد القانون الدولي من مضمونها الإلزامي.

ثالثا: التدخل الخارجي ومأزق الشرعية الدستورية

من زاوية الشرعة الدستورية، يطرح إبعاد رئيس الدولة بالقوة إشكالا أكثر عمقا. فالدساتير لا تصاغ لتطبق في الظروف العادية فقط، بل لتؤطر أيضا حالات الأزمات. والدستور الفنزويلي، مثل غيره من الدساتير، يحدد بدقة حالات شغور منصب الرئاسة وآليات انتقال السلطة.

وعليه، فإن أي تغيير في رأس السلطة يتم بفعل تدخل خارجي يظل عديم الأثر دستوريا، لأنه لا يستند إلى إرادة الشعب المعبر عنها عبر الآليات الدستورية، ولا إلى المؤسسات المخولة دستوريا بالبت في مصير السلطة التنفيذية. والنتيجة الحتمية لذلك هي نشوء وضع هجين: سلطة أمر واقع بلا سند دستوري، ودولة منقوصة السيادة.

رابعا: تداعيات تتجاوز الحالة الفنزويلية

لا تكمن خطورة ما جرى في آثاره المباشرة على فنزويلا فحسب، بل فيما يضيفه إلى سلسلة من التدخلات التي أعدمت مبدأ عدم التدخل، وحولت الاستثناء إلى ممارسة قابلة للتكرار دون هوادة. فالتساهل مع تدخل عسكري يطيح برئيس دولة دون تفويض أممي، ودون مسار دستوري داخلي، لا يؤسس لسابقة منفردة بقدر ما يكرس نمطا متراكما عرفه النظام الدولي في حالات متعددة، حيث جرى تهميش الشرعية الدولية، لصالح منطق القوة. إن هذا التراكم لا يقوض فقط فكرة الدولة ذات السيادة، بل يعيد إنتاج منطق “القوة فوق القانون”.

إن الهجوم على كراكاس، وما ارتبط به من إعلان عن اختطاف رئيس دولة، يشكل تعبيرا جديدا عن تآكل النظام الدولي القائم على القانون، كما يسلط الضوء على هشاشة الشرعية حين تُفصل عن الدستور والإرادة الشعبية. فمن منظور القانون الدولي والشرعية الدستورية، لا يمكن لأي تدخل عسكري خارجي أن ينتج شرعية، ولا لأي قوة، مهما كانت، أن تحل محل الدستور. فالشرعية، في نهاية المطاف، لا تستورد على ظهر الطائرات، بل تبنى داخل المجتمعات، وبأدوات القانون وحده.