منتدى العمق

وأنتم، لَو تـبُون راحْتِي، خَلُّونِي على راحتِي”:

رسالة خالد العليان للمغارِبة

يحدُث كثيرا، وبطريقة عفوية، أن ينطِقَ اللسانُ بالحِكمَةِ ولو لم يكن من المتكلّم لها قصدٌ أو تعمّد؛ ولربما ذلك ما ينطبق على حالةِ المؤثر السعودي المتميّز خالد العليان وهو يجول في أروقة أحد مراكز التسوق بالعاصمة العلمية للمغرب فاس. فبينما هو يسير بين الناس مستعجلاً لشراء بضاعة محددة، أحاطته مجموعة من الشباب المغاربة بالتحية والترحيب، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى دعوةِ خالدٍ إلى شربِ قهوة أو تناول وجبة عشاءٍ معهم، ليتوجّه إليهم بالشكر قائلا: “الله يبارك فيكم، وعشاكم وصل..والمغرب كلها عزمتني، والله ما قصّرتُم”، ولمّا ألَحُّوا عليه في الطلب أجابهم بذكاء ودهاء: “وأنتم، لو تـبُـون راحْـتِي، خَـلُّـوني عَـلى راحْـتِي”. فما كان منهم إلا أن استجابوا لرغبته بقولهم: “والله العظيم، خذ راحتك، ومرحبا بك في بلدك الثاني”.

إنّ هذا الأمر -بلا شك- يُبرِز بعضاً مِن قِيمنا، نحن المغاربة، كالكرم، والتسامح، والانفتاح على الآخر، وحفاوة الترحيب بضيوف المغرب.. ولكنه في الآن ذاته يطرح تساؤلاتٍ عديدةً حول مدى احترامنا لخصوصية الآخر وقناعاته الشخصية، ومراعاتنا لظروفه ومواقفه. وبالدرجة نفسها، يتيح لنا هذا الحدث فرصةً لإعادة التفكير والتأمل في ذواتنا وفي تمثلاتنا للكثير من القيم الإنسانية.
ولعل وقوفي عند هذا المشهد الذي قد يبدو للبعض موقفا بسيطا، جعلني أدخل في حيرةٍ، وأتساءل مع نفسي: هل نحن المغاربةُ كُرماءٌ حقّاً إلى هاته الدرجة؟ وإذا كان الأمرُ كذلك، فهل كرمنا يشملُ الناسَ جميعاً، أم تستأثر به فئاتٌ من الناسِ دون الآخرين؟ وهل نعامل بعضَنا البعضَ بمثلِ هذه الحفاوةِ والاهتمامِ في الواقع؟

هُنا، أستحضر صُورةَ والدي -رحمَة الله عليه-، وهو في عينِ كلّ مَن يعرِفُه نموذجٌ للكرم وحُسنِ الضيافة؛ إذ يصعُب على كلِّ مَن يُلاقيه أن يُفارقَه قبل أن يُشاركه في بيتِنَا جلسَةً حولَ “الصينية” لشُربِ كأسِ شايٍ وأكلِ ما قسّم اللهُ من طعام، وجميع مَن في القريةِ يعرف بأن أكثر كلمتين تتردّدانِ على لسان سّي محمد هما “مرحبا” و “نشاعلّاه (للقَسَم)”، فكيف لك أن ترفُضَ الدعوةَ وتهرُبَ مِن ضيافةِ رجُلٍ أقسَم عليك بأن تُجيبَ؟!

شيئا فشيئاً، صار قَسمُ الوالد-رحمه الله- مُشكِلا؛ فأنت، إذا كانَ لديك شُغلٌ هامّ، أو التزامٌ ضروريّ، يكون لزاماً عليك سلوكُ طريقٍ لا تلاقي فيه سي محمد “الرحباني”، وإلا فدعِ الشغلَ والالتزام، وجالس الرجلَ على الطعام، أو اترُكه مع ثلاثة أيامٍ كفّارةً مِن صيام!

ما أشبهَ حالَ أهلِ القريةِ وزوارها مع الوالد بالأمس، بحال خالد العليان وزوار المغرب مع بعض المغاربة اليوم!
إنّنا نرحب بالضيوف ونكرمهم أيّمَا كرمٍ، ولكننا في كثيرٍ مِن الأحيان نسيء إليهم، وإلى أنفُسِنا، مِن حيث لا ندري؛ فإذا كانت ذواتنا الفردية والجماعية مطبُوعَة على الكَرَم وحسن الضيافة، فإنّ للآخر خصوصية واختلافٌ قد يوقعانِه في حرجٍ أمامَنا، أو يجعلانه يظُنّ بنا ما ليس فينا.

وخير ما أختِم به الكلام، قول المثل المغربي: “الناس بالناس، والناس كلهم بالله”، فحيَّ على الكَرَم يا مغاربة! ولكن، في الحُدودِ المعقولةِ التي لا تضيّق على أحدٍ ولا تنتهك خصوصيةَ أحد؛ فإنّ “الشيء إذا زاد عن حدّه، انقلَب إلى ضدّه”.