لم يكن مشهد القبض على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بذلك المنظر المهين، أشعت أغبر بلحية مهملة ورجل يعبث بفكه وأسنانه، لحظة عابرة في حرب عبثية شنت على البلد، بل كان إخراجا سينمائيا دقيقا، اشتغلت عليه الأجهزة الأمريكية المتخصصة لإرسال رسائل رمزية شديدة اللهجة لكل دول المنطقة وزعمائها وتدشينا لمرحلة جديدة استأسدت فيها أمريكا على العالم بعدما انهار جدار برلين وخفت وهج عدوها اللدود المعسكر الشيوعي، فهبت رياح الغرب على كل الأرض كرها وطواعية.
بيد أن فداحة المشهد لا تكاد تغادر مسرح الأحداث الدولية وتأبى إلا أن تذكرنا، كلما نسينا أو تناسينا، بمنطق التاريخ القائم على القوة أولا، وثانيا بمظاهر التحولات العالمية الكبرى التي قد تتخذ شكلا دراميا أليما. الدراما نفسها ستتكرر حينما اختطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من مكان إقامته رفقة زوجته، وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتقاله منتشيا ومتباهيا، حتى أنه شبه العملية بفلم تلفزيوني. بين الاختطاف والاعتقال، تغيب الشرعية عن الأول وتحضر في الثاني، وكأن العالم بأسره يخضع للقانون الأمريكي ويستمد شرعيته منه.
فيما يشبه عملية استنساخ للتاريخ، تواترت بعدها صور الرجل. أفظع ما فيها إهانة، مشهده عاريا إلا مما ستر عورته مكبلا ومحاطا بعسكرين من قوات النخبة دلتا. من المؤكد أن الرسالة أريد لها أن تكون مهينة له شخصيا وتحذيرا قويا لغيره، لكنها ليست له وحده فقط بل لكل أحرار العالم ولكل من في قلبه ذرة إيمان بالقيم الإنسانية الكونية كما جُبلت عليها الفطرة الإنسانية السليمة ونادت بها الشرائع السماوية وفلسفة الأنوار وغيرها كثير.
إذا كان المشهدان يتشابهان في حمولتهما الرمزية وفي قوتهما المادية فإنهما لا ينطبقان، وبين التطابق والتشابه تفاصيل كثيرة وخبايا متفردة، تحيل المعنى إلى الاتجاه المعاكس تماما. السياق الدولي في تسعينات القرن الماضي كان يوحي بتحول موازن القوى لمصلحة دولة عظمى واحدة، وجب عليها ملأ الفراغ الناتج عن انهيار الاتحاد السوفياتي، القوة المنافسة الأساسية، ومصارعتها من أجل البقاء. القيادة تقتضي البراغماتية لتحصيل المزيد من المنافع والحفاظ عليها من خلال تطويع كل الأدوات الناعمة من الأيديولوجيا والتكنولوجيا التواصلية والخطاب والإعلام والزج بالألة العسكرية الوحشية كلما اقتضت الضرورة ذلك. ليتسنى لها التربع على عرش العالم بدون منازع، تصول وتجول كما يحلو لها ولا تأبه بالمؤسسات الدولية، رغم أنها أنشئت أساسا لخدمة الدول المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية لكنها على ما يبدو باتت تعيق تحركها وتعرقله، فلم تعد تعيرها أدنى احترام، رأينا كيف عاقبت أمريكا الجنائية الدولية لأنها تجرأت على إصدار قرار اعتقال مجرم الحرب نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي وكيف ضُربت إيران بدون تفويض من مجلس الأمن.
بيد أن خط التاريخ لا يستمر في استقامته دائما وإن طالت المدة، ولا بد أن ينعرج في لحظة مفصلية، وهكذا وجدت الدولة العظمى قائدة العالم نفسها تتراجع أمام دول تنازعها مكانتها الرمزية والمادية، صعود الصين وعودة روسيا إلى الساحة الدولية، وإن على المستوى العسكري. لذلك سارعت إلى استدراك الأمر وتضيق الفجوة مباشرة مع تسلم ترامب السلطة؛ ارغام أوكرانيا على توقيع اتفاقية المعادن النادرة ومحاولة جرها إلى اتفاق سلام أقرب إلى الاستسلام، التخلي عمليا عن التحالف الإستراتيجي مع أوروبا وتركها لمصيرها، إقامة مشاريع الذكاء الاصطناعي بالمليارات للاستخدام العسكري أساسا لمواجهة الطموح الصين المتنامي، عقد قمة اقتصادية مع روسيا في المملكة العربية السعودية بشأن أوكرانيا في غياب هذه الأخيرة، فيما يشبه سايكس بيكو روسي أمريكي، واللائحة تطول كل يوم. غير أن عصب حياة كل ذلك يمر وجوبا بالسيطرة على النفط، فبرزت فنزويلا كأكبر احتياطي العالمي لهذه المادة الحيوية، والطريق إليها تستوجب تفاهمات دولية لا غنى عنها وهذا ما انكشف بتصريحات ترامب على وجه التحديد وتدويناته بعد حادث الاختطاف، ما جاء على ذكره يدل على وجود صفقات بين الأطراف ذات النفود في فنزويلا، وهذا ما كان ليحدث لولا تغيير الميزان الدولي.
بين المشهدين، تحولين عميقين ومفصليين. من بغداد في الشرق الأوسط، بعيدا من أمريكا، تفجرت لحظة القبض على صدام، لتعلن صراحة عن بداية عصر القطبية الأحادية وتربع أمريكا على عرش العالم بدون منازع. من كركاس في أمريكا الجنوبية، قريبا من أمريكا، طفت إلى السطح لحظة اختطاف مادورو، حاملة إشارات دالة على عودة عصر تعدد الأقطاب، ربما توحي لنا الجغرافيا بأسرارها وحكمها في انبعاث وأفول الدول. وبينهما فسحة تتيح من الفرص ما تتيحه من مخاطر وافتراضات لا أحد يستطيع توقع نتائجها بدقة، ومن أخطر ما فيها جنوح المنهار إلى المقاومة بأقوى ما يملك ونشر الفوضى. ومن شأن ذلك أن يأتي على الأصدقاء والأعداء معا.