بخلاف التدخلات العسكرية الأمريكية السابقة في بعض مناطق الصراع في العالم ، شكلت العملية العسكرية لاعتقال الرءيس الفنزويلي ما دورو مع زوجته من طرف إدارة الرءيس ترامب منعطفا جديدا في المتغيرات الدولية وآلية جديدة من آليات التدخل الأمريكي في إدارة الشؤون الدولية. إذ أن هذا التدخل ارتبط ليس فقط بحماية مصالح أمريكية في منطقة نفوذ ما زالت تعتبرها الولايات المتحدة ضمن مجالها الحيوي ، بل أيضا بضمان الامن القومي لأعظم دولة في العالم.
-اعتقال الرئيس الفنزويلي و ضمان الامن القومي الأمريكي
عقب العملية العسكرية الأميركية التي استهدفت سيادة أحد أكبر الدول البترولية في أمريكا اللاتينية والتي تم من خلالها إلقاء القبض على الرئيس مادورو المنتخب ديمقراطيا ونقله خارج البلاد، أوضح الرئيس ترامب، في كلمة رسمية، “أن القوات المسلحة الأميركية نفذت، بتوجيه مباشر منه، عملية عسكرية “استثنائية” في العاصمة الفنزويلية كراكاس، حيث تم خلالها استخدام القوة الجوية والبحرية في هجوم وصفه بالمذهل وغير المسبوق منذ الحرب العالمية الثانية.” وهكذا عكست هذه الكلمة الرئاسية “استثنائية هذه العملية التدخلية” التي أكد فيها الرئيس الأمريكي أنها غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية . ولعل استثنائيتها وتميزها يرجع بالأساس إلى بعدين رئيسين : * بعد عسكري متميز يتمثل في الدقة العسكرية التي ميزت هذه العملية التي نفذت على حد قول الرئيس الأمريكي ” بسرعة وفتك ودقة، دون مقتل أي جندي أميركي أو فقدان أي معدات عسكرية مع مشاركة عدد كبير من المروحيات والمقاتلات والجنود” . ولعل هذا ما أكده وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بأن هذه العملية العسكرية التي نفذتها القوات الأميركية مؤخرا تمثل نموذجا غير مسبوق من حيث البسالة والدقة والقوة،، حيث وصف هيغسيث التحرك العسكري بـ”عملية مشتركة نفذت بشكل مثالي”، وأنها أنجزت على أيدي نخبة من أفضل جنود الولايات المتحدة. مشيرا بأن المحاربين الأميركيين “لا مثيل لهم في العالم”
* بعد أمني يتمثل بربط هذا التدخل بالحفاظ على الأمن القومي للولايات المتحدة المتمركز خاصة في عهد إدارة ترامب على محاربة تهريب المخدرات. فقد ربط الرئيس الأميركي في كلمته هذه العملية بالجهود الأميركية لمكافحة تهريب المخدرات، قائلا إن نسبة كبيرة من المخدرات التي كانت تصل إلى الولايات المتحدة عبر البحر مصدرها فنزويلا، مؤكدا بأن العملية أسهمت -بحسب تعبيره- في القضاء على نسبة كبيرة من هذه الأنشطة. مضيفا بأن مادورو كان يقود شبكة إجرامية منظمة من بينها ما يعرف بـ”كارتل دي لوس سوليس”، المسؤول -وفق قوله- عن موت آلاف الأميركيين خلال السنوات الماضية. وبالتالي فقد تم اعتقال مادورو برفقة زوجته سيليا فلوريس، لعرضهما على القضاء الأميركي بعد توجيه اتهامات لهما في إحدى محاكم نيويورك الجنوبية، تتعلق بما وصفه الرئيس الأمريكي بـ”إرهاب المخدرات” ضد الولايات المتحدة ومواطنيها. وأضاف أن المتهميْن نقلا على متن سفينة متجهة إلى الأراضي الأميركية تمهيدا لاستكمال الإجراءات القضائية.
ووفق هذا السياق ، فقد عكست هذه العملية العسكرية غير المسبوقة التي عبأت لها مختلف الإمكانيات اللوجستيكية والبشرية، وفي انتهاك لكل بنود القوانين الدولية ، وبدون إعلان حرب دولة على أخرى كما جرى العرف الدولي بذلك، تداخلا بين السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة من خلال إعلان الرءئيس ترامب بأن هذه العملية تأتي ضمن خطته في محاربة الجريمة على صعيد الولايات الأمريكية بما فيها واشطن حيث اعتبر الرءيس الأمريكي خلال كلمته أمام الصحافة بأن هذا الاعتقال يشكل امتدادا لسياسته في محاربة الجريمة بما فيها تجارة المخدرات التي اودت بحياة العديد من الشباب الأمريكي والتي كانت فنزويلا مصدرا ومعبرا رءيسيا لهذه التجارة . كما تأتي هذه العملية ضمن أجندة انتخابية داخلية ستؤدي بلا شك إلى تقوية تموقع الرءيس الأمريكي في الانتخابات نصف ولاية على الصعيد الداخلي .
-اعتقال الرئيس الفنزويلي و الحفاظ على المصالح الامريكية
يبدو أن هذه العملية العسكرية بمختلف استعراضاتها الإعلامية والسياسية، كانت تستهدف تحقيق هدفين استراتيجين : * الهدف الاستراتيجي الأول يتمثل في تقوية وضعية الولايات المتحدة في المجال الامريكو لاتيني من خلال إخافة أو احتواء كل الأنظمة اليسارية المعارضة للسياسة الامريكية في هذه المنطقة. حيث أشار الرئيس الأميركي إلى أن العملية نفذت بدقة عالية وبأسلوب مشابه لعمليات أميركية سابقة استهدفت شخصيات ومواقع وصفها بالبالغة الحساسية، مؤكدا أن القدرات العسكرية الفنزويلية لم تتمكن من التصدي للعملية، وأن اعتقال مادورو تم “في عتمة الليل” دون خسائر في صفوف القوات الأميركية . محذرا أنظمة معادية للسياسة الامريكية ككولومبيا وكوبا بإمكانية اتخاذ إجراءات عسكرية مماثلة للإطاحة بأنظمتها السياسية. في حين أوضح وزير الحرب أن خصوم الولايات المتحدة باتوا يدركون أن واشنطن قادرة على إسقاط قوتهم العسكرية “في أي وقت وفي أي مكان”، مشيرا إلى أن التنسيق العالي وسرعة التنفيذ ومستوى الفتك والدقة، جميعها برزت بوضوح خلال العملية التي نفذت في ساعات متأخرة من الليل. وفي حديثه عن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، قال هيغسيث إن مادورو “حظي بفرصته”، كما حظيت أطراف أخرى، لكنه لم يستجب، وكانت النتيجة -بحسب تعبيره- معروفة..
*والهدف الثاني يكمن في احتواء منافسين دوليين في المنطقة خاصة الصين وروسيا حيث أن القبض على مادورو حرم هاتين القوتين من حليف كان يسهل عملية حصول الصين على وارداتها من النفط وتشجيع استثماراتها المالية بهذه الدولة البترولية التي تزخر بأوراش تحتية واقتصادية كبرى وكان في نفس الوقت يمنح روسيا موطأ قدم في منطقة الكاريبي التي تشكل خاصرة للولايات المتحدة في المنطقة . وبالتالي فإن القبض على مادورو ونقله للمحاكمة إلى نيويورك يعيد الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في هذه المنطقة ويكرس استعادة العمل بمبدأ منرو، الذي أشار إليه الرئيس ترامب في كلمته الرسمية والذي يكرس هيمنة الولايات المتحدة كقوة وحيدة في المنطقة التي تعتبرها الولايات المتحدة منطقة نفوذ أمريكية خاصة.الى جانب ذلك فالقضاء على نظام مادورو بهذه الطريقة سيمنح الولايات المتحدة التحكم في اكبر احتياطي للبترول على المستوى العالمي ويجعلها تنافس به البترول الروسي الشيء الذي سيقلص من أوراق التفاوض التي تتوفر عليها روسيا وقد يدفعها إلى الإسراع بحل النزاع المسلح باوكرانيا الذي تشرف عليه الولايات المتحدة والذي وعد الرئيس ترامب خلال حملته الانتخابية بضرورة حله. إلى جانب ذلك فهذه العملية هي إشارة سياسية لكل الأنظمة سواء في منطقة أمريكا اللاتينية او غيرها بأن الولايات المتحدة في عهد إدارة ترامب هي جادة في قرن اقوالها مع افعالها بخلاف الادارات الأمريكية السابقة وهي جادة في استعادة مكانة الولايات المتحدة في مختلف مناطق العالم حفاظا على مصالحها . وفي هذا السياق شدد الرئيس ترامب في ثنايا كلمته على أن الجيش الأميركي يظل
كما دعم وزير الحرب ، هذا التوجه من “الأقوى في العالم” من حيث القدرات والمهارات والتجهيزات
وبهذا الصدد ، فقد أكد هيغسيث دعم وزارة الدفاع الكامل للرئيس دونالد ترامب، مشيرا إلى أنه لا توجد خلال أي دولة أخرى في العالم قادرة على تنفيذ عملية بهذا المستوى من التعقيد والدقة. مشددا على أن القيادة الأميركية الحالية أظهرت مزيجا من الحزم والقوة لم يشهده العالم من قبل، معتبرا أن هذه القيادة أعادت ترسيخ الردع الأميركي على الساحة الدولية مما أدى إلى أن العالم بات يحترم الولايات المتحدة مجددا في ظل القيادة الحالية، وأن ما جرى يعكس مستوى عاليا من التنسيق والجاهزية داخل المؤسسة العسكرية الأميركية. مشيرا إلى أن الإدارة الأميركية جادة أيضا في استعادة ما وصفه بـ”النفط الذي سرق من الولايات المتحدة”، وفي إعادة تأسيس الهيمنة والردع الأميركيين على المستوى الدولي، مؤكدا أن هذه الأهداف ترتبط بشكل مباشر بأمن وسلامة وحرية وازدهار الشعب الأميركي . من هنا ، يظهر بأن هذه العملية ، هي نابعة من استراتيجية أمريكية تسعى إلى تكريس قيادة الولايات المتحدة لنظام عالمي قيد التهيكل وفق تعددية قطبية ترى بأنها الاجدر بالهيمنة فيها وذلك من خلال استخدام قدراتها العسكرية في ضرب خصومها وتقوية في مجال نفوذها التي لا ترغب في أي تحرك فيه من طرف منافسيها الأساسيين كالصين التي ما زالت منشغلة بمحاولة ضم تايوان أو على الأقل العمل على واحتوائها على الرغم من تمددها الاقتصادي والتجاري وروسيا التي شغلت بحربها على خاصرتها الاكرانية.