لم يكن المنبر في تاريخ الأمة مجرد منصة للوعظ، بل كان نبضًا للشارع، وصوتًا للمكلوم، ومحرابًا تُدار فيه قضايا الأمة وهمومها. من فوقه، كانت تُشعل الحماسة في النفوس، وتُذرف الدموع في العيون، وتُقوّم الانحرافات قبل أن تستفحل. فكيف إذن يُراد له اليوم أن يتحول إلى ورقة مكررة، تُقرأ ببرود، لا تشبه الواقع ولا تلامس نبض الناس؟
قرار توحيد خطبة الجمعة في المغرب، كما في بعض الدول، أثار جدلاً واسعًا، ليس فقط لأنه يُقيد حرية الخطباء، بل لأنه يُفرغ المنبر من دوره الحيوي. في وقت تتنوع فيه قضايا الناس وتتباين خصوصيات الجهات والقرى والمدن، تصبح الخطبة الموحدة أشبه بحديث لا يجد صداه، أو دواء واحد يُصرف لكل مرضى الوطن!
الخطبة كانت دومًا بنت بيئتها. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراعي في خطبه أحوال الناس، يوجه مكة بما يناسبها، ويخاطب أهل المدينة بما يفهمونه ويحتاجونه، ويعظ أهل البادية بما يلامس واقعهم. فكيف بنا اليوم نغلق هذا الباب بحجة “التنظيم”؟ وهل يُقاس التنظيم على حساب الروح؟ وعلى حساب المقاصد التي من أجلها شرعت الخطبة في الإسلام؟
إننا بذلك نحوّل الخطيب من شاهدٍ على حال مجتمعه إلى مجرّد مُبلّغ لنصٍّ مكتوب، لا يملك أن يضيف أو يحذف أو يُعلّق. نصٌ مفرغ من حرارة التفاعل، لا ينبض، ولا يُنبّه، ولا يُحرك ساكنًا في ضمير المستمع. والأخطر أن هذا النهج يُحوّل المساجد من منابر للوعي والبصيرة إلى مجرد محطات للعبادة الشكلية.
ثم ماذا عن النوازل؟ وماذا عن الفتن؟ وماذا عن الحاجة إلى كلمة حق في وجه باطل متغوّل؟ هل تنتظر “موافقة الوزارة”؟ وهل الخطبة الموحدة تجرؤ أن تقول للفساد: قف؟ أو للظلم: اتق الله؟ إن الخطبة في الإسلام سلطة معنوية، وهيبة روحية، وموقف أخلاقي، لا مجرد كلام يقال.
ولعل أشد ما يُخشى أن يُستغل هذا القرار لتكميم أفواه الخطباء الذين لا يطبلون للواقع، ولا يُصفقون للمألوف، بل يصدحون بالحق. فإذا بقرار التوحيد، وإن بدا بريئًا، يتحول إلى سلاحٍ ناعم ضد كل من بقي للمنبر فيه نبض وضمير.
إن المساجد ليست قاعات رسمية، بل مدارس للوعي، ومؤسسات تربوية، ومحاضن للنهضة. والجمعة ليست مجرد شعيرة تُؤدى، بل محطةٌ أسبوعيةٌ لإعادة تصويب البوصلة. والخطيب ليس قارئًا عموميًا، بل هو مربٍ، وموجّه، وضميرٌ حيٌّ يُجالس الناس من فوق منبره لا من وراء نص جاهز.
نحن بحاجة إلى إصلاح الخطاب الديني، نعم، لكن لا من خلال صهره في قوالب جامدة، بل من خلال تأهيل الخطباء، وإعطائهم الأدوات والحرية المنضبطة لتقديم رسائلهم بما يناسب جمهورهم. وإلا فإننا نغلق على أنفسنا أبواب التأثير، ونخنق آخر أصوات الوعي في زمن بات فيه الضجيج كثيرًا والصوت الصادق نادرًا.
ما أخشاه أن يتحول المنبر الذي لطالما كان نارًا على الباطل، إلى رمادٍ يُراد له أن يُذرّ في عيون الناس. فإن نحن سكتنا اليوم على قتل روح الخطبة، فلا نلومنّ غدًا إذا أصبحت المساجد صامتة، والمجتمعات بلا بصيرة، والدين مجرد طقوس تُؤدى بقلوبٍ غائبة. وقد قالها ابن مسعود: “كم من مريد للخير لن يصيبه”. فاحذروا أن يُراد بهذا التنظيم خيرٌ لا يُصيب روحه، بل يُفقده أثره.