لم تكن رحلة الدولي البوركينابي جيورجي مينونغو في عالم كرة القدم مفروشة بالورود، بعدما وجد نفسه صيف سنة 2023 أمام واحدة من أصعب المحطات في حياته، حين تعرض لمشكلة صحية على مستوى إحدى عينيه كادت تنهي مسيرته الكروية مبكرا، قبل أن يقرر التشبث بحلمه ومقاومة كل الصعوبات، ليعود إلى الملاعب ويواصل كتابة قصته، التي أصبحت عنوانا للإصرار والعزيمة وعدم الاستسلام.
وفي حوار خاص مع جريدة “العمق”، استعاد مينونغو تفاصيل تلك المرحلة الصعبة، متحدثا عن مخاوفه من الابتعاد عن كرة القدم، والدعم الذي تلقاه من محيطه وناديه، وصولا إلى مشاركته في كأس أمم إفريقيا رفقة منتخب بوركينا فاسو، حيث تمكن من تسجيل هدف مميز أمام غينيا الاستوائية، في محطة جديدة ضمن مسار لاعب يطمح إلى الوصول إلى أعلى المستويات.
صيف 2023.. حين أصبح الاستمرار في كرة القدم حلما صعبا
يستحضر مينونغو صيف 2023 باعتباره فترة قاسية في حياته، بعدما تعرض لمشكلة أفقدته النظر على مستوى العين اليسرى، جعلته أمام احتمال التوقف عن ممارسة كرة القدم، إذ كشف أن بعض المحيطين به طلبوا منه وضع حد لمسيرته الكروية، بالنظر إلى صعوبة وضعه الصحي والتحديات التي قد تواجهه مستقبلا.
وقال اللاعب البوركينابي إن تلك الفترة كانت معقدة للغاية، مشيرا إلى أن أكبر مخاوفه لم تكن مرتبطة بما قد يواجهه في حياته اليومية، بقدر ما كانت متعلقة بفكرة عدم العودة إلى ملاعب كرة القدم، التي شكلت شغفه منذ الصغر.
وأوضح أن مجرد التفكير في الابتعاد عن المستطيل الأخضر كان يثير لديه الخوف، لأنه لم يكن مستعدا للتخلي عن الحلم الذي عمل من أجله لسنوات، وهو ما دفعه إلى اتخاذ قرار مواصلة المشوار، رغم التحذيرات والصعوبات التي واجهته.
وأضاف مينونغو أن بداخله قوة دفعته إلى التمسك بمسيرته، مؤكدا أن رغبته في الاستمرار والتطور وإثبات قدراته كانت أكبر من كل العراقيل التي اعترضت طريقه، وأنه لم يسمح للظروف بأن تحدد نهاية قصته مع كرة القدم.
ولم يخف اللاعب أن فكرة الاستسلام راودته في بعض اللحظات، بالنظر إلى حجم الصعوبات التي عاشها، لكنه شدد على أن حبه للعبة ورغبته في تحقيق أهدافه كانا أقوى من تلك الأفكار، ليقرر مواصلة العمل ومحاولة تجاوز المرحلة الأصعب في حياته الرياضية.
الخوف من الالتحامات.. تحد جديد بعد العودة إلى الملاعب
لم تكن العودة إلى التدريبات والمباريات سهلة بالنسبة إلى مينونغو، إذ واجه تحديا إضافيا تمثل في الخوف من الاحتكاكات البدنية، وهي من العناصر التي لا يمكن فصلها عن طبيعة كرة القدم، خصوصا بالنسبة إلى لاعب مطالب بالدخول في الصراعات الثنائية والارتقاء للكرات الهوائية دون تردد.
وكشف اللاعب أنه كان شديد الحذر في بداية عودته، لدرجة أنه لم يكن يقفز بالشكل الطبيعي عندما تصل الكرة إلى رأسه، وكان يتجنب بعض الحركات والالتحامات خوفا من التعرض لمضاعفات جديدة على مستوى العين.
وقال مينونغو إن الأمر كان طبيعيا في البداية، بالنظر إلى التجربة التي مر بها، لكنه استفاد من مساندة ناديه والعمل المتواصل خلال التدريبات، ليبدأ الخوف في التراجع تدريجيا، ويستعيد ثقته في قدرته على ممارسة اللعبة بصورة طبيعية.
ومع مرور الوقت، تحول ذلك الحذر إلى دافع إضافي لتطوير إمكاناته، بعدما أدرك أن العودة الحقيقية لا تقتصر على استئناف التدريبات أو المشاركة في المباريات، بل تتطلب أيضا استعادة الجرأة والثقة والقدرة على خوض المواجهات دون أن تظل التجربة السابقة حاضرة في كل تحرك.
وفي هذا السياق، أكد مينونغو أن الإصرار كان عاملا حاسما في تجاوز مخاوفه، موضحا أنه لم يعد يشعر اليوم بالخوف الذي رافقه في بداية العودة، وأنه أصبح أكثر استعدادا لمواجهة التحديات التي تفرضها المنافسة داخل الملعب.
مفارقة لافتة.. “أصبحت أكثر فاعلية بعد فقدان إحدى عيني”
ومن أكثر التصريحات التي تكشف طبيعة التحول الذي عاشه مينونغو، حديثه عن تطوره الكروي بعد الإصابة، إذ يرى اللاعب أنه أصبح أكثر فاعلية في أدائه منذ فقدان إحدى عينيه، مقارنة بالفترة التي كان يتمتع فيها برؤية العينين.
وقال في هذا الصدد إنه طور قدرات لم يكن يمتلكها بالشكل نفسه في السابق، معتبرا أن تجربته الصعبة ساهمت في تغيير طريقة تعامله مع كرة القدم، ودفعته إلى اكتشاف جوانب جديدة في شخصيته وإمكاناته.
ولا يقدم مينونغو هذا التصور باعتباره إنكارا للصعوبات التي واجهها، بل يعكس، بحسب حديثه، الطريقة التي اختار بها التعامل مع واقعه الجديد، من خلال التركيز على ما يستطيع تطويره بدلا من الاستسلام لما فقده.
كما أشار إلى أن أسرته وأصدقاءه والمقربين منه قدموا له دعما كبيرا خلال تلك المرحلة، وهو ما ساعده على مواجهة الضغوط النفسية والتحديات التي رافقت مسيرته نحو العودة إلى الملاعب.
ويكشف حديث اللاعب أن تجاوز الإصابة لم يكن نتيجة العمل البدني وحده، بل ارتبط أيضا بالدعم المعنوي والإيمان بإمكانية الاستمرار، إلى جانب الرغبة القوية في إثبات أن التجربة التي عاشها لن تكون نهاية حلمه الكروي.
كأس أمم إفريقيا.. حلم الطفولة يتحول إلى حقيقة
وبعد تجاوز واحدة من أصعب محطات حياته، وجد مينونغو نفسه أمام فرصة جديدة لتمثيل منتخب بلاده في كأس أمم إفريقيا، وهي المشاركة التي وصفها بالتجربة الكبيرة، بالنظر إلى أنها حققت حلما رافقه منذ طفولته.
وقال اللاعب إن حلمه منذ الصغر كان خوض نهائيات البطولة القارية بقميص منتخب بوركينا فاسو، معتبرا أن الوصول إلى هذه المرحلة يشكل مصدر فخر بالنسبة إليه، خصوصا بعد الظروف الصعبة التي مر بها قبل استعادة مكانه في الملاعب.
وجاءت مشاركته في نسخة “المغرب 2025” لتمنحه فرصة الظهور على مستوى قاري، إذ سجل هدفا أمام غينيا الاستوائية، في واحدة من المحطات التي لفتت الانتباه إلى حضوره ضمن المنتخب البوركينابي، بعدما كان قبل سنوات قليلة يصارع من أجل الحفاظ على مسيرته الكروية.
ورغم أهمية المشاركة، لم يتعامل مينونغو مع ما تحقق باعتباره نهاية الطريق، بل أقر بأن منتخب بلاده لا يزال بحاجة إلى تطوير عدد من الجوانب، خاصة ما يتعلق بالفعالية أمام المرمى والقدرة على استغلال الفرص التي تتاح خلال المباريات.
وأوضح أن المنتخب البوركينابي يمتلك لاعبين موهوبين، لكنه يحتاج، في نظره، إلى مزيد من الواقعية والنجاعة الهجومية، معتبرا أن الرغبة في تقديم أداء جيد لا تكفي دائما لتحقيق النتائج المطلوبة، ما لم تترجم إلى قدرة أكبر على حسم الفرص.
وأضاف أن المنتخب قدم كل ما لديه خلال مشاركته، لكنه يحتاج إلى المزيد من الخبرة والعمل المتواصل، بالنظر إلى أن عددا من لاعبيه لا يزالون في مرحلة التطور، معربا عن ثقته في قدرة المجموعة على الظهور بصورة أقوى في النسخ المقبلة من البطولة.
رسالة إلى أصحاب الأحلام.. لا تستسلموا أمام المستحيل
وبعيدا عن تفاصيل مسيرته الرياضية، وجه مينونغو رسالة مؤثرة إلى الأطفال وكل الأشخاص الذين يواجهون مشكلات صحية أو إعاقات، داعيا إياهم إلى عدم التخلي عن أحلامهم، مهما بدت الظروف صعبة أو اعتقد الآخرون أن تحقيقها أمر مستحيل.
وأكد اللاعب أن لكل شخص الحق في الحلم والسعي إلى تحقيق أهدافه، مشددا على ضرورة التمسك بالإيمان بالقدرات الذاتية والاستمرار في العمل، حتى عندما يواجه الإنسان التشكيك أو يسمع من الآخرين أن ما يسعى إليه غير قابل للتحقيق.
وقال إن الإنسان مطالب بأن يؤمن بقدرته على تجاوز العقبات، وألا يسمح للأحكام المسبقة بأن تحدد سقف طموحاته، مستحضرا تجربته الشخصية باعتبارها دليلا على أن الصعوبات لا تعني بالضرورة نهاية الطريق.
ولخص مينونغو فلسفته في الحياة والرياضة بشعار يعكس نظرته إلى تجربته، قائلا إنه يمتلك عينا واحدة، لكنه يعتبر نفسه أقوى من أشخاص يمتلكون عينين، موضحا أنه يسعى إلى إثبات ذلك يوميا من خلال أدائه وعمله وإصراره على التطور.
وتحمل هذه العبارة، في سياق حديثه، دلالة تتجاوز الجانب البدني، إذ تعكس رغبة اللاعب في ألا يسمح لوضعه الصحي بأن يتحول إلى تعريف وحيد لشخصيته أو حدود لإمكاناته، بل أن يجعل منه دافعا إضافيا لمواصلة المنافسة وتحقيق أهدافه.
من الولايات المتحدة إلى الحلم الأوروبي
وعلى المستوى الاحترافي، لا يخفي مينونغو طموحه في خوض تجربة جديدة في الملاعب الأوروبية، بعدما بدأ مسيرته في الولايات المتحدة، حيث يرى أن اللعب في أحد الأندية الكبرى في أوروبا يمثل هدفا يسعى إلى تحقيقه خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح اللاعب أن لكل مسار خصوصيته، وأن وجود عدد من أصدقائه في أندية أوروبية يدفعه إلى التفكير في خوض التجربة نفسها، مؤكدا أنه يأمل في الحصول على فرصة تتيح له الانتقال إلى القارة الأوروبية وإثبات قدراته في مستوى تنافسي جديد.
وشدد على أن بلوغ هذا الهدف يتطلب مواصلة العمل والاجتهاد، معتبرا أن طموحه لا يتوقف عند المشاركة في كأس أمم إفريقيا أو تسجيل الأهداف بقميص المنتخب، بل يمتد إلى تطوير مسيرته والانتقال إلى أندية تمنحه فرصة أكبر للتقدم في عالم كرة القدم.
ويبدو أن اللاعب البوركينابي يريد استثمار تجربته القارية وما راكمه من خبرة في مساره الاحترافي من أجل فتح صفحة جديدة، واضعا نصب عينيه تحقيق حلم ظل يرافقه منذ سنوات، دون أن يسمح للتحديات السابقة بأن تحد من طموحاته المستقبلية.
المغرب يحظى بإشادة خاصة من مينونغو
ولم يفوت مينونغو الفرصة للتعبير عن تقديره للمغرب، مشيدا بظروف الاستقبال والتنظيم خلال كأس أمم إفريقيا، ومؤكدا أن تجربته رفقة منتخب بوركينا فاسو كانت إيجابية على مستوى الإقامة والبنيات التحتية والمرافق الرياضية.
وقال اللاعب إن الوفد البوركينابي حظي باستقبال جيد، معبرا عن إعجابه بالملاعب ومراكز التدريب والفنادق، فضلا عن المدن التي زارها، ومن بينها الدار البيضاء ومراكش والرباط.
كما أثنى على جودة أرضيات الملاعب والبنيات التحتية الرياضية، معتبرا أن كل شيء كان في مستوى التطلعات، وموجها تحية إلى المغرب تقديرا لما لمسه من عناية بالمنتخبات المشاركة.
وفي ختام حديثه، وجه مينونغو رسالة إلى الجماهير البوركينابية، معبرا عن أسفه لعدم تحقيق الهدف الذي وعدوا به أنصار المنتخب، والمتمثل في العودة بالكأس، بعد الخروج أمام منتخب كوت ديفوار.
وأكد أن المجموعة ستواصل العمل من أجل العودة بصورة أقوى في الاستحقاقات المقبلة، في رسالة تنسجم مع الفلسفة التي تبناها خلال أصعب مراحل حياته: مواصلة المحاولة، والتعلم من التجارب، وعدم الاستسلام مهما كانت العقبات.
وبين تجربة صحية كادت تبعده عن الملاعب، وعودة تطلبت منه تجاوز الخوف واستعادة الثقة، ومشاركة قارية حقق من خلالها حلم الطفولة، يقدم جيورجي مينونغو قصة لاعب اختار أن يواصل الطريق رغم صعوبته، واضعا نصب عينيه هدفا جديدا يتمثل في الوصول إلى الملاعب الأوروبية الكبرى، ومؤمنا بأن ما يبدو مستحيلا اليوم قد يصبح واقعا بالإصرار والعمل.