دراسة مغربية تفكك شفرة “السماوي”: ليس سحرا ولا تنويما.. بل “هندسة نفسية” ذكية
منوعات

دراسة مغربية تفكك شفرة “السماوي”: ليس سحرا ولا تنويما.. بل “هندسة نفسية” ذكية

أكدت دراسة علمية حديثة للبروفيسور المغربي محمد قصير، عالم النفس التحليلي، أن ظاهرة “السماوي”، المنتشرة في المغرب، ليست سوى احتيال نفسي واجتماعي يعتمد على استغلال التحيزات المعرفية والانفعالية للضحايا، دون أي قدرات خارقة أو علاقة بالجن أو القوى الغيبية.

وتنطلق الدراسة من فرضية أن “السماوي” يمثل نوعا من الاحتيال الاجتماعي والنفسي المنهجي، معتمدة على مراجعة موسعة للأدبيات العلمية في علم النفس المعرفي والاجتماعي وعلم الأعصاب السلوكي، إلى جانب دراسة حالة شبه إكلينيكية. وتهدف إلى توضيح كيفية وقوع الضحايا في الفخ النفسي والأساليب التي يستخدمها المحتالون، مع تقديم تفسير علمي عقلاني للظاهرة بعيدًا عن التفسيرات الغيبية والخرافية.

وأوضحت الدراسة التي اطلعت عليها جريدة “العمق”، أن المحتالين يعتمدون على مجموعة من التحيزات المعرفية والانفعالية التي تجعل الضحايا أكثر عرضة للاستغلال. من أبرز هذه الآليات، تأثير السلطة، حيث يميل الأفراد إلى الامتثال لأشخاص يُنظر إليهم كذوي سلطة أو معرفة خاصة، ما يسمح للمحتال بأن يقدم نفسه كـ”عالم بالغيب” أو صاحب “بركة”.

كما يلعب الخوف والتهديد دورا كبيرا، إذ تؤدي إثارة الخوف أو العقاب الوهمي إلى سيطرة التفكير الانفعالي على عملية اتخاذ القرار، ويفسر تأثير هذا الضغط العصبي كيف يمكن للضحايا الانصياع طواعية لتعليمات المحتالين دون فرض قوة خارقة عليهم.

كما تؤكد الدراسة العلمية دور تأثير بارنوم وتحفيز التوكيد، حيث تُفسر العبارات العامة والقابلة للتطبيق على الجميع على أنها أدلة شخصية دقيقة، ويستمر الضحايا في تفسير كل تفاعل مع المحتال كدليل على صحة معتقداتهم، ما يعزز قبولًا غير نقدي للأساليب الاحتيالية.

وقدمت الدراسة نموذجا لحالة شبه إكلينيكية يوضح كيفية وقوع الضحايا في الفخ، حيث تتعرض امرأة تحت ضغوط أسرية ومهنية لمحتال يدّعي المعرفة الغيبية. يبدأ المحتال بإثارة القلق تدريجيا، ويعد الضحية بالنجاة أو الثروة، ثم يستخدم أساليب الإيحاء والتكرار النفسي لتوجيه سلوكها. وفي النهاية، تتخذ الضحية قرارات غير عقلانية تحت ضغط نفسي واضح، نتيجة تنشيط اللوزة الدماغية وتثبيط القشرة الجبهية، ما يؤدي إلى قبول طوعي للنصائح أو تقديم ممتلكاتها دون مقاومة.

وأكد البروفيسور محمد قصير، أن هذه الظاهرة ليست اضطرابا نفسيا مرضيا، وأن تفسيرها كسلب إرادة خارقة يتعارض مع الأدلة العصبية والنفسية، فهي عملية “اختطاف معرفي” مؤقت وليس تحكمًا غيبيًا في الإرادة.

وأشارت الدراسة إلى أن ظاهرة “السماوي” تعتمد على ما يعرف بـ الهندسة النفسية أو Social Engineering، حيث يتم استهداف الضحايا الأكثر عرضة للخوف والطمع، وبناء علاقة زائفة من الألفة والأمان، ثم زرع الخوف أو الطمع لتعزيز القبول بالقرارات التي تخدم المحتال. كما يستخدم الجناة دعم شركاء لهم لتأكيد سلطتهم وإقناع الضحية بصحة ما يقدمونه، ما يؤدي إلى استحواذ على الأموال أو الممتلكات طواعية قبل الانسحاب لتجنب الشكوك والمحاسبة.

ونفت بشكل قاطع أي علاقة بين ظاهرة “السماوي” والتنويم المغناطيسي، موضحة أن التنويم الإيحائي العلمي يخضع لضوابط صارمة ولا يمكن تطبيقه فجأة في الشارع أو إجبار شخص على القيام بفعل ضد قيمه. وعليه، فإن جميع محاولات ربط “السماوي” بالتنويم المغناطيسي تمثل جهلًا علميًا شائعًا، حيث يعتمد الجناة على التحايل والمعرفة النفسية وليس على أي قوة خارقة.

في حين، خلصت الدراسة إلى أن “السماوي” ليس سحرًا ولا تنويمًا ولا مرضًا عقليًا، بل هو جريمة نصب قائمة على التلاعب المعرفي واستغلال الهشاشة النفسية للضحايا، واستغلال سوء الفهم العلمي للوعي البشري. وأكدت الدراسة أن الحل الأمثل يكمن في التثقيف النفسي، تعليم التفكير النقدي، وفهم آليات الضغط النفسي والاجتماعي لمنع وقوع الضحايا في الفخ، وليس في مطاردة الخرافة أو لوم الضحايا.

وأكد البروفيسور محمد قصير أن تفكيك الظاهرة علميا يكشف التحيزات والانفعالات المستغلة، ويوضح حدود التنويم وتأثير الضغط النفسي على اتخاذ القرار، ويوفر أدوات لفهم الواقع بطريقة عقلانية وعلمية.

تعليقات الزوار