في مشهد سياسي مغربي متكلس، دأب فيه الزعماء على التشبث بكراسي الزعامة حتى الرمق الأخير، ولا يغادرونها إلا مكرهين عبر الانشقاقات أو الهزائم المذلة، اختار عزيز أخنوش أن يسبح ضد التيار، ويخط لنفسه ولحزبه مسارا صادما ومفاجئا للخصوم قبل الحلفاء.
“اللاعب المميز هو من يعتزل في قمة توهجه”.. بهذه القاعدة الذهبية التي تحكم عالم الرياضة، قرر أخنوش أن يدير الشوط الأخير من لعبته السياسية كرئيس للحزب. لقد قرر الرجل، وهو يقود الحكومة ويجلس على قمة الهرم السياسي، ألا يستمر على رأس “الأحرار” لولاية ثالثة، معلنا بذلك عن خطوة غير مسبوقة تكسر النمطية السائدة.
هذا القرار يحمل في طياته رسالة سياسية هامة أو بالأحرى “قرصة” موجعة لباقي الفاعلين الحزبيين. ففي الوقت الذي نشهد فيه “تهافتا” مخجلا داخل دكاكين سياسية أخرى، وصراعات مريرة لتفصيل القوانين على المقاس، والتحايل على الأنظمة الداخلية لتشريع “الولاية الثالثة والرابعة” وتأبيد الزعماء وكأن الأحزاب ضيعات خاصة؛ يأتي قرار أخنوش ليقول بصوت مرتفع: “الحزب ليس إرثا شخصيا، ولا مشكلة لدينا في المغادرة”. إنه درس في أن الزعامة الحقيقية تكمن في القدرة على تسليم المشعل، وليس في احتكاره.
عمليا، وتفعيلا لهذا التوجه، أعلن الحزب عن مؤتمر وطني في السابع من فبراير المقبل، بجدول أعمال يتضمن نقطة فريدة وحاسمة: انتخاب رئيس جديد. هذا الإجراء، المتناغم مع المادة 34 من القانون الأساسي، يتضمن هندسة للمرحلة الانتقالية عبر تمديد عمل الهيئات لستة أشهر بعد الانتخابات التشريعية. هذا ليس مجرد إجراء تقني، بل “مناورة استراتيجية” بامتياز؛ فهو يضمن انتقالا سلسا، ويجنب الحزب ارتباك الفراغ.
لكن “الذكاء السياسي” الأبرز يكمن في ما وراء السطور. فبإعلانه عدم الترشح في الانتخابات المقبلة، واعتزاله المحتمل للسياسة المباشرة، ينجح أخنوش في تفويت الفرصة على خصومه الذين بنوا كل خططهم على “شخصنة” الصراع ومهاجمته بالاسم. بهذه الخطوة، هو يفسح المجال لحزبه للمنافسة على ولاية حكومية ثانية “برئيس غير أخنوش”، مما يحيد الهجمات الشخصية ويجعل المعركة حول الحصيلة والمؤسسة لا حول الشخص.
ومع ذلك، وبعيدا عن لغة الاحتفاء، فإن القراءة الرصينة تقتضي عدم الإغراق في التفاؤل، والاحتفاظ بمسافة نقدية ضرورية. وكما يهمس العديد من المراقبين العارفين بخبايا المطبخ السياسي، فإن “الأيام كفيلة بأن تكشف المستور”. إن هذه السردية المثالية حول “الاعتزال في عز العطاء” قد تخفي وراءها دوافع أخرى لا نعلمها، وحسابات دقيقة في الكواليس.
هل هي حقا رغبة في التداول؟ أم هي استراحة محارب فرضتها إكراهات شخصية؟ أم أن هناك “فيتو” غير مرئي أو ترتيبات عليا تقتضي تغيير الوجوه للمرحلة المقبلة؟ وهل هذا الانسحاب هو هروب ذكي من “ضريبة القيادة” وتجنب لعقاب انتخابي محتمل قد يطال شخص الرئيس؟
لا أحد يملك “شيكا على بياض” للحقيقة الآن. سنترك للأيام القادمة مهمة كشف ما إذا كانت هناك أسباب خفية دفعت رئيس الحكومة ورئيس الحزب لهذا التراجع إلى الخلف. لكن الثابت الوحيد حاليا، هو أن أخنوش رمى حجرا ثقيلا جدا في بركة الأحزاب الراكدة، ووضع الجميع أمام مرآة الحقيقة المحرجة؛ من يجرؤ منكم على المغادرة وهو في القمة؟
في النهاية، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع اختيارات أخنوش الحكومية والسياسية، فإن قراره بعدم الترشح لولاية ثالثة يظل لحظة فارقة، ليس فقط داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، بل في المشهد السياسي المغربي ككل. لحظة تقول إن التداول ممكن، وإن الاعتزال في عز العطاء ليس هزيمة، بل قد يكون أعلى أشكال الانتصار السياسي.