إيّاك أعني فاسمعي يا جارة
وجهة نظر

إيّاك أعني فاسمعي يا جارة

لا مفرّ من الإقرار بأن العالم المعاصر يسير بوتيرة متسارعة، تدفع بحياتنا إلى مسارات مجهولة، وتضعنا أمام أشخاص وتجارب لم نكن نتوقع لقاءها يوماً. هذا التسارع المستمر يجعلنا نواجه مواقف غير متوقعة، وقد يربكنا إن لم نواكبه بوعيٍ وتأمّل. لذلك، تصبح وقفة التفكير الإيجابي ضرورة لا ترفاً، نعيد من خلالها قراءة ما حولنا، ونكتشف ما خفي من التفاصيل، حتى لا نبقى أسرى الجمود والعجز عن التكيّف، فتضيع علينا فرص كان يمكن أن تغيّر حياتنا نحو الأفضل.

ومن الحقائق التي لا تقل أهمية أن إصلاح ما أفسدته الظروف والأحكام المسبقة يبدو صعباً، لكنه ليس مستحيلاً. فالإرادة الصادقة، والعزيمة، والطموح الخلّاق، كفيلة بأن تعيد ترتيب الطريق، متى ما تخلّينا عن العادات السلبية التي تعيق تطورنا، وتعلمنا من أخطاء الماضي لنعيش حاضرنا ونبني مستقبلنا بوعيٍ وإيجابية.

إن تطوير الحياة يبدأ أولاً بتطوير الذات؛ بتنقية أفكارنا من الأوهام والمفاهيم الخاطئة، والارتقاء بشخصياتنا، والكفّ عن الحكم على الآخرين من خلال مظاهرهم أو سوء فهمنا لهم. فالمجتمع لا يُبنى بالأحكام السريعة، بل بالمحبة، والمساندة، وإشعار الآخر بقيمته الإنسانية، لأن الفرد لا يعيش بمعزل عن محيطه، وإنما هو جزء من نسيج اجتماعي متكامل. وما يزرعه الإنسان في ذاته اليوم، يحصده غداً نفعاً له ولمجتمعه.

كما أن البقاء في دوائر الروتين السلبي يورث الملل والإحباط واليأس، وهي حالات لا يرغب فيها فرد ولا مجتمع. ومن هنا تبرز أهمية التحلي بمهارة الإصغاء، والعطف على الآخر، وتفهّم مشاعره وأفكاره، لعل ذلك يقود إلى مجتمع تسوده المودة والوئام، لا العلاقات المشروطة والمحدودة. وربما يأتي يوم نحتفل فيه بحبّ المجتمع بأسره، لا بحبّ شخصين فقط.

ومن هذا المنطلق جاء عنوان المقال: «إيّاك أعني فاسمعي يا جارة»، وهي مقولة عربية قديمة تُستخدم للتعبير غير المباشر، حين يُوجَّه الكلام لشخص ويُقصد به آخر، مراعاةً للأدب واللياقة. ويعود أصل هذه العبارة إلى قصة سهل بن مالك الفزاري، الذي قصد الملك النعمان بن المنذر، فمرّ بحيٍّ مجاور لقصره، فتوجّه إلى سيد الحي بحكم علاقته المسبقة به، فلم يجده، لكنه صادف أخته، فرحّبت به وأنزلته وأعدّت له ما تيسّر من طعام وشراب. وعندما خرجت من خبائها لاحظ ما كان لها من جمال المظهر، وحسن القامة، وطيب الصنيع، وأدب الاستقبال، وهي من شيم العرب، إذ كانت عقيلة قومها وسيدة نسائهم. فأصابه ما أصابه من هواها، كما يُقال في أيامنا: “حبّ من أوّل نظرة” ولم يعرف كيف يفتح لها قلبه ويكاشفها بحبه، فجلس في فناء الخباء وهي تسمع صوته، وجعل ينشد قائلاً:
يا أختَ خيرِ البدوِ والحضارة
كيف ترينَ في فتى فزارة؟
أصبحَ يهوى حرّةً معطّارة
إيّاكِ أعني فاسمعي يا جارة

لكن، ولسوء الحظ، فُهمت كلماته على غير وجهها، فردّت عليه رداً لا يُحمد عقباه، إذ قالت:
إني أقولُ يا فتى فزارة
لا أبتغي الزوجَ ولا الدعارة
ولا فراقَ أهلِ هذه الجارة
فارحلْ إلى أهلكَ باستخارة

فخجل الرجل وانصرف. وبعد مغادرته، استحيت من تسرّعها وحكمها السريع عليه، خصوصاً أنه كان صادقاً في تعبيره. وعندما عاد مرةً أخرى إلى المدينة نفسها بعد لقائه بالملك النعمان، مالت إليه نفسها، فأرسلت إليه تقول: «اخطبني من أخي إن كانت لك حاجة بي». فخطبها وتزوّجها، وسار هذا المثل رمزاً لعدم الحكم المسبق على الناس قبل معرفة ما بداخلهم والأسباب الدافعة لكلامهم.

صراحةً، هناك أفراد يبتلون بالتسرّع في الحكم على الآخرين دون الاعتماد على حقائق واقعية، بل يكتفون بالمؤشرات والدلائل السطحية، فيحكمون على الشخص من خلال ملامحه أو آراء أطراف أخرى عنه، رغم عدم توفّرهم على كل المعطيات الكفيلة بذلك، كالتعامل والاحتكاك المباشر. وهذا في حدّ ذاته يخالف الأعراف القضائية والقانونية، إذ إن أي حكمٍ قضائي يستوجب سماع الأطراف ومبرراتهم.

وهنا تتجلى إشكالية متكررة في مجتمعاتنا، حيث يُبتلى بعض الأفراد بإصدار الأحكام بناءً على المظاهر، أو على ما يُنقل إليهم من آراء غير مكتملة، دون اختبار حقيقي أو احتكاك مباشر. وهذا السلوك يناقض أبسط قواعد العدالة الإنسانية، بل وحتى الأعراف القضائية، التي لا تُصدر حكماً دون سماع الأطراف.

فالحكم السليم يجب أن يُبنى على السلوك والأفعال، لا على الشكل أو الهيئة. فالمظهر أمرٌ قد لا يملك الإنسان التحكم فيه، بينما الأخلاق والتصرفات هي المرآة الحقيقية للجوهر. ومن الظلم أن يُدان إنسان بسبب هيئة خلقه الله عليها، أو انطباعٍ أوليٍّ لا يستند إلى دليل.

ولذلك، فإن التروي قبل الحكم، والتحقق من الأفعال، ومراقبة السلوك في المواقف المختلفة، هي السبيل الأعدل لمعرفة الناس. فالحكم على الآخرين مسؤولية أخلاقية كبرى، ومن يستهين بها قد يظلم غيره، ويظلم نفسه قبل ذلك. ولنا في قصة موسى عليه السلام مع الخضر، كما وردت في القرآن الكريم، مثال واضح على أن الظاهر قد يخالف الباطن، وأن الحكمة لا تُدرك دائماً من النظرة الأولى.

وفي الختام، دعوة صادقة إلى عدم الحكم على الناس من مظاهرهم أو مما يُقال عنهم، بل من خلال مخالطتهم واختبار معادنهم. وما دمنا نتحدث عن حسن الظن، فإن الأمر يمتد أيضاً إلى العلاقات بين الجيران، أفراداً ودولاً، فالجوار – خاصة في السياسة – حقيقة جغرافية لا يمكن تغييرها، ولا سبيل للحفاظ عليه إلا بالحكمة، والتروي، وتجنب سوء الفهم والتسرع في اتخاذ مواقف وقرارات عدائية تمسّ بهذا الجوار.
فإيّاك أعني… فاسمع يا جار.