وجهة نظر

إيض ن ناير والقوة الناعمة… من الاحتفاء بالتراث إلى هندسة المستقبل

في خطوة تاريخية، أصدر جلالة الملك في 3 ماي 2023، قرارا ملكيا ساميا يقضي بترسيم الاحتفال برأس السنة الأمازيغية “إيض ن ناير” عطلة رسمية مدفوعة الأجر، قرار لم يكن منعزلا، بل جاء تتويجا لمسار طويل انطلق مع خطاب أجدير سنة 2001، قبل أن يترسخ بالاعتراف الدستوري بالأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية في سنة 2011. مسار يجسد إرادة ملكية واضحة تنطلق من مبدأ التعدد المعزز للوحدة، والأصالة كقاعدة للانطلاق نحو الحداثة.

إن الاحتفال الرسمي برأس السنة الأمازيغية بعدما كان احتفالا راسخا على المستوى الشعبي، ليس مجرد ترسيم لتقليد ثقافي عابر، بل يعد منعطفا تاريخيا حاسما يؤسس لمرحلة جديدة تضع تاريخ الوطن العريق في صلب الهوية الجماعية، اعتراف لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزاله في رد الاعتبار لمكون رئيسي من مكونات الشخصية المغربية، بل إعلانا صريحا بأن المغرب قد دخل عصرا يلتفت فيه بفخر إلى جذوره الضاربة في أعماق التاريخ.

على مدى قرون، ظل المكون الأمازيغي، رغم حضوره الثقافي القوي في الحياة اليومية، على هامش السردية الرسمية للهوية الوطنية رغم بعض المحاولات المحدودة، إلى أن اعتلى جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه الميامين، ليرسم تصورا واقعيا جديدا للهوية الوطنية، كمرتكز من مرتكزات مشروعه المجتمعي، تصور يعتبر الاعتراف بالتنوع الثقافي من داخل الوحدة، بمثابة تملك جماعي لعراقة الوطن، كرصيد استثنائي من شأنه تعزيز مساره التنموي والديمقراطي.

ليست المملكة المغربية أول دولة تكتشف القوة الكامنة في تاريخها العريق، فالدول التي نجحت في تحويل تراثها إلى قوة ناعمة، حققت مكاسب جمة على المستوى الدبلوماسي والاقتصادي والثقافي، فمصر مثلا حينما اهتمت بتاريخها الطويل المرتبط بالحضارة “الفرعونية” وحولته إلى تراث عالمي، حققت ثورة سياحية وتمكنت من تصديره من خلال الإبداع الفني والسينمائي المرتبط بهذا العمق التاريخي، بما يخدم تموقعها على المستوى الدولي، مسوقة لنفسها كحاضنة لأحد أعرق حضارات البشرية. الأمر لا يتعلق بمصر فقط، حيث لا يمكن أن نتمثل اليونان في اذهاننا بعيدا عن تراثها الإغريقي، ولا إيطاليا دون التفكير في التراث الروماني.

هي نماذج دول جنت ثمار الاستثمار في “عراقتها”، والمملكة المغربية بعمق حضارتها، تملك إرثا تاريخيا وثقافيا لا يقل ثراء وغنى وعمقا، ولا شك أن “ايض ن ناير” يعد عنوانا بارزا ضمن عناوين هذا التراث التليد، حيث أن استثمار أبعاده ورمزيته ودلالاته، جنبا إلى جنب مع كل ما أنتجه المغربي منذ “إنسان إيغود”، من معمار وثقافة وعلوم وقيم ونمط عيش، يمكن أن يصبح ركيزة حقيقية لتعزيز السياحة، وإلهاما لصناعة إبداعية مغربية مميزة، ولبنة من لبنات نبني عليها صورة دولية للمغرب كدولة تحافظ على إرثها الإنساني الفريد وتصدر قيمه للإنسانية جمعاء.

إن تدريس التاريخ غير المجزأ الذي يحتفي بالمسار الأمازيغي الطويل، بملاحم الأجداد خلال مختلف مراحل بناء أمتنا، بما خلفته الدولة المغربية من الملك أطلس والممالك الأمازيغية إلى الأدارسة والمرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين وصولا للعلويين، سيغرس لدى الأجيال الصاعدة  لا محالة، إحساسا عميقا بفخر الانتماء لدولة مركزية لم ترض يوما أن تكون ذيلا أو حاشية لأي جهة من  جهات العالم، فالشاب الذي نربيه على الافتخار بتاريخه، بمركزية حضارته، سيضع كل طاقته وجديته وعمله وتضحياته رهن إشارة “وطن الفخر” انتصارا لقضاياه  المصيرية، دفاعا عن مجده وعزته، وحده يستطيع النظر إلى مستقبله بثقة وإصرار أكبر، مسلحا ببوصلة هوياتية تدله على طريق الأمان في زمن معولم غير مستقر.

في خطاب أجدير سنة 2001 أكد جلالة الملك أن “الأمازيغية ملك لكل المغاربة بدون استثناء”، كذلك هو الأمر بالنسبة للبعد العربي الإسلامي واليهودي، كما العمق الإفريقي والامتداد المتوسطي، كعناصر تتوحد جميعا في هوية جامعة مانعة نسميها “تمغربيت”. فالإنسان الذي يعيش اليوم في هذا الوطن، مع كل أبعاد الحضارة المغربية برأسمالها المادي واللامادي، ليس سوى نتاجا لتاريخ طويل يتجاوز 2976 بآلاف السنين، منذ أن اختار الله هذه الأرض المباركة لتكون منبتا لأول إنسان عاقل في التاريخ، وما علينا جميعا سوى العمل على ترسيخ هذا التاريخ الطويل بملاحمه وقيمه، هذه الحضارة بعراقتها وأصالتها وانفتاحها، في عقول الأجيال الصاعدة، حتى نبني أجيال جديدة  متشبثة بخصوصياتها وثوابت أمتها وانتمائها لأرض تأبى إلا أن تظل مركزا من مراكز الحضارة الإنسانية، كما كانت عبر التاريخ، أجيال تتعلق بروح ثقافتها العريقة دون تقوقع على الذات، تنفتح على كل  الحضارات الإنسانية دون الوقوع في حضن الاستلاب.

عمر إسرى، صحافي ورئيس منظمة جيل تمغربيت.