منتدى العمق

«لم يتقدم أحد»… جملة تختصر أزمة القيادة في وزارة الصحة

أصبحت عبارة «لم يتقدم أحد» أو «لم يتم انتقاء أحد» لازمة شبه ثابتة في عدد متزايد من مباريات ومناصب المسؤولية داخل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، في مشهد أصبح مألوف منذ سنوات يعكس تحوّل عميق في علاقة الأطر الصحية والإدارية بمفهوم المسؤولية العمومية. لم يعد الإحجام عن الترشح حالة معزولة أو ظرفية، بل تحوّل إلى ظاهرة بنيوية تطرح أسئلة سياسية وإدارية مقلقة حول جاذبية المنصب العمومي وقدرته على استقطاب الكفاءات.

في السابق، كانت مناصب المسؤولية تُعتبر مسار طبيعي للترقي المهني وفرصة للاعتراف بالكفاءة والتجربة بل وأحيانا مجال للتأثير في السياسات العمومية القطاعية. أما اليوم فقد أصبحت في نظر عدد كبير من الأطر عبء إداري ومغامرة مهنية غير محسوبة العواقب، في ظل اختلال واضح بين حجم الصلاحيات الممنوحة وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتق المسؤول.

أولى أسباب هذا العزوف ترتبط بتآكل الحوافز، سواء المادية أو المعنوية. فالتعويضات المرتبطة بمناصب المسؤولية لم تعد تعكس حجم الضغط اليومي، ولا المخاطر الإدارية والقانونية المتزايدة، ولا حتى الزمن الوظيفي المستنزف خارج أوقات العمل الرسمية. يجد المسؤول نفسه مطالب بتدبير أزمات بنيوية مزمنة، دون وسائل كافية ودون حماية إدارية حقيقية، في حين تبقى المحاسبة حاضرة بقوة، أحيانا بمنطق زجري أكثر منه إصلاحي.

السبب الثاني يتجلى في هشاشة موقع المسؤول داخل منظومة القرار. فرغم الخطاب الرسمي حول اللامركزية وتفويض الاختصاصات، لا يزال هامش المبادرة محدود، وتظل القرارات الاستراتيجية رهينة مساطر معقدة أو تعليمات مركزية متأخرة. هذا الوضع يفرغ المنصب من معناه التدبيري، ويحوّل المسؤول إلى مجرد منفّذ لتوجيهات لا يشارك في صياغتها، لكنه يتحمّل وحده تبعاتها.

كما لا يمكن إغفال مناخ عدم الاستقرار التنظيمي الذي يطبع القطاع، خاصة في مرحلة التحولات الكبرى التي تعرفها المنظومة الصحية. إعادة الهيكلة، تعدد المتدخلين، غموض الأدوار بين المؤسسات الجديدة، وتداخل الصلاحيات، كلها عوامل تخلق حالة من اللايقين المهني، تجعل الإقدام على الترشح لمناصب المسؤولية خطوة محفوفة بالمخاطر خصوصا في غياب رؤية واضحة لمسار المسؤول بعد انتهاء مهامه.

ويضاف إلى ذلك العامل النفسي والاجتماعي، حيث أصبح المسؤول هدف مباشر للاحتقان الاجتماعي، وشكاوى المرتفقين، وضغط النقابات، وانتقادات الرأي العام، دون أن يقابل ذلك دعم مؤسساتي صريح أو تواصل رسمي يحمي المسؤول من التحول إلى “كبش فداء” لاختلالات تتجاوز قدرته الفردية. هذا الوضع يدفع عدد متزايد من الأطر إلى تفضيل “السلامة المهنية” على “المغامرة الإدارية”.

خلال سنة 2019 لجأت حكومة سعد الدين العثماني الى الرفع من التعويضات الممنوحة لمديري المستشفيات، باعتبارها أداة تحفيزية مباشرة لملء المناصب الشاغرة. وقد تم تقديم هذا الإجراء في أكثر من محطة على أنه جواب عملي لأزمة العزوف، دون أن يُواكَب بتقييم حقيقي لطبيعة المهام، ولا لحجم المخاطر القانونية والإدارية المرتبطة بالمنصب، ولا لاختلال التوازن بين الصلاحيات والمسؤوليات، ما جعله أقرب إلى معالجة ظرفية أكثر منه إصلاح بنيوي.

غير أن التجربة أثبتت محدودية هذا الخيار، إذ لم يؤدِّ رفع التعويضات إلى ارتفاع ملموس في عدد المترشحين، ولا إلى استقرار فعلي في مناصب المسؤولية، بل استمر شغور عدد منها أو تدبيرها بالنيابة. ويعود ذلك أساسا إلى كون التعويض المالي، في حد ذاته، لم يغيّر من واقع الضغط اليومي، ولا من ضعف وسائل التدبير، ولا من هشاشة موقع المدير داخل هرم القرار، حيث يُحمَّل مسؤولية نتائج اختلالات هيكلية تتجاوز إمكانياته الفعلية. وهكذا، ظل المنصب محفوفا بالمخاطر، مهما ارتفع سقف التعويض.

الأخطر من ذلك أن هذه المقاربة الترقيعية ساهمت في تأجيل النقاش الحقيقي حول إصلاح نموذج الحكامة الصحية على المستوى اللاممركز، إذ تم التعامل مع أزمة العزوف باعتبارها مشكلة تحفيز مالي، وليس باعتبارها أزمة ثقة في منظومة المسؤولية العمومية. فغياب رؤية واضحة لمسار المسؤول، وضعف الحماية الإدارية، واستمرار منطق المحاسبة الانتقائية، كلها عوامل جعلت من الرفع في التعويضات مجرد مسكن مؤقت، سرعان ما يفقد مفعوله أمام واقع مهني طارد، ويُعيد إنتاج نفس المعضلة بصيغ مختلفة.

أما نتائج هذا العزوف، فهي أكثر خطورة مما يبدو. أولها فراغ مناصب المسؤولية أو شغلها بشكل مؤقت، ما يضعف استمرارية المرفق العمومي، ويؤثر سلبا على جودة الخدمات الصحية وعلى نجاعة تنزيل السياسات العمومية. كما يؤدي إلى إقصاء الكفاءات الطوعية، وفتح المجال أمام حلول ترقيعية لا تقوم على الاستحقاق بقدر ما تقوم على الضرورة.

على المدى المتوسط، يهدد هذا الوضع بإفراغ الإصلاح الصحي من مضمونه، لأن أي إصلاح، مهما كانت هندسته القانونية والمؤسساتية، يظل رهين بوجود مسؤولين مؤمنين به محميين إداريا ومؤطرين سياسيا. وقادرين على اتخاذ القرار. غياب هؤلاء يعني انتقال المنظومة من أزمة تدبير إلى أزمة قيادة.

إن استمرار تكرار عبارة «لم يتقدم أحد» ليس مجرد فشل إداري في تنظيم المباريات، بل مؤشر سياسي قوي على اختلال العلاقة بين الدولة وأطرها، وعلى الحاجة الملحّة لإعادة التفكير في نموذج المسؤولية العمومية: من حيث التحفيز، والحماية، والاختصاصات، والمسار المهني. فبدون ردّ الاعتبار لمنصب المسؤول، لن يكون العزوف سوى بداية لانكماش أعمق في الثقة داخل الإدارة العمومية، خصوصا في قطاع حيوي كالصحة.