منتدى العمق

الصناديق السوداء

يكثر الحديث عن الحسابات الخصوصية أو ما بات يعرف داخل الوسط الإعلامي وفي الحقل السياسي بالصناديق السوداء خلال فترة مناقشة قانون المالية والمصادقة عليه، حسب قانون المالية لسنة 2026، يبلغ عدد الحسابات الخصوصية (الصناديق السوداء) 69 حسابا، حصة الأسد هي من نصيب وزارة الاقتصاد والمالية ب25 حسابا، منها 15 مرصودة لأمور خصوصية و10 حسابات تخص الانخراط في الهيئات الدولية والعمليات النقدية وحسابات التمويل، وتأتي وزارة الداخلية في المرتبة الثانية ب9 حسابات، تليها رئاسة الحكومة ووزارة الفلاحة ب5 حسابات لكل منها، وإدارة الدفاع ب4 حسابات، وحسابين لكل من وزارة التجهيز والماء، وزارة العدل، وزارة الشباب والثقافة والتواصل ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، وتبلغ ميزانية هذه الحسابات 167 مليار و488 مليون درهم أي حوالي 17 مليار دولار.

هناك من يرى في هذه الحسابات الخصوصية وسيلة الهدف منها هو تدبير الموارد المالية المخصصة لمشاريع أساسية وأداة يتم عبرها تنفيذ سياسات عامة لمجالات محددة دون الحاجة إلى المرور عبر وسائل تقليدية للميزانية العامة، مما يمنحها سرعة في التنفيذ ومرونة في الإنفاق، خاصة القطاعات ذات الطابع الاستعجالي أو التضامني، على سبيل المثال لا الحصر، صندوق الحماية الاجتماعية، صندوق الدعم القروي؛ فمشكل هذه الصناديق يكمن في شفافية تدبيرها، فعندما ينتقد الخبراء وبعض الفاعلين السياسيين هذه الحسابات الخصوصية، لا يقومون بذلك من باب المزايدة أو من أجل المطالبة بإلغائها، فهم يطالبون بإصلاحها وتعزيز الشفافية فيها، لأنها حسابات تدرج في مشروع قانون المالية كل سنة، وهناك مطالب من أجل إخضاع هذه الحسابات للرقابة البرلمانية، وذلك من أجل الحيلولة دون استغلال أموال هذه الحسابات (الصناديق السوداء) في أغراض خارجة عن المصلحة العامة، وهناك سابقة في الموضوع، وهي قضية منح علاوات خارج إطار القانون والتي كان بطلاها، كل من وزير المالية والاقتصاد الأسبق صلاح الدين مزوار، والخازن العام للمملكة نورالدين بنسودة.

فرغم تقليص عدد الحسابات الخصوصية سنة 2026 حسب قانون المالية مقارنة ب2015، حيث انتقل العدد من 76 إلى 69 حسابا، لكن حجم الموارد والنفقات لم ينخفض، بالعكس، ارتفع حجمها، فرغم خضوع هذه الصناديق لمراقبة وزارة المالية والمجلس الأعلى للحسابات، لكن مشكل الشفافية لا يزال مطروحا.

بالإضافة لما سبق ذكره، هناك إشكالية صعوبة تقييم أثر بعض الصناديق وتشتت التمويلات بين هذه الصناديق، حيث أن هناك حسابات تتقاطع فيها الأهداف المراد تحقيقها، لذلك يمكن تركيز الجهود عبر جمع هذه الحسابات الخاصة من أجل تنفيذ المشاريع الاستراتيجية التي تسعى الدولة للتخطيط لها وتنفيذها.

عملية تمويل هذه الصناديق تتم عبر مساهمات مؤسسات دولية وعن طريق رسوم شبه ضريبية، وكذلك من خلال تحويلات الميزانية العامة وهبات بعض الدول.

من دون شك أن جزء من أموال هذه الحسابات الخصوصية يصرف على المشاريع التنموية والاجتماعية، لكن يبقى المشكل هو في إعادة هيكلتها ومراجعتها مراجعة شاملة، فقط سبق أن أوصى المجلس الأعلى للحسابات بضرورة القيام بتقييم شامل وموضوعي لهذه الصناديق، وذلك في أفق تقليص عددها وإخضاعها لرقابة السلطة التشريعية من أجل حماية المال العام، والحرص على توجيه هذه الأموال لتمويل مشاريع تنموية واضحة المعالم وتعود بالنفع على المواطن المغربي، خاصة الفئة الهشة التي تعاني في صمت من آثار الفوارق المجالية والاجتماعية.