لا يظهر الباطل إلا حين يغيب الحق. هذه سنة كونية، تؤكدها وقائع الحاضر حين نرى صعود تيارات لا تحمل فكرًا حقيقيًا، ولا تقدم مشروعًا معرفيًا أو حضاريًا، بل تستمد حضورها من الفراغ الذي تركه أصحاب القيم، ومن الدعم الذي توفره جهات ترى في إفراغ المجتمعات من أخلاقها غاية بحد ذاتها.
العلمانية، في نسختها التي نراها اليوم في بعض السياقات، لم تعد أطروحة فكرية تناقش علاقة الدين بالدولة، بل غدت غطاءً يمرر من خلاله كل أشكال التمرد على القيم، والتحلل من الضوابط الأخلاقية. وليس سرًا أن هذه التيارات تُفتح لها المنصات، وتُهيأ لها الساحات، وتُدرج تحت شعارات التعدد والانفتاح، بينما تُضيق السبل أمام من يحمل رسالة إصلاح أو دعوة وعي.
المؤسف أن هذا الحضور المصطنع ليس نتيجة قوة الطرح، بل فراغ الساحة. فحين يتراجع أهل القيم عن دورهم في التأثير، ويكتفون بالإنكار السلبي أو الانكفاء، تتقدم المشاريع الفارغة لتملأ المشهد.
إن ما نشهده اليوم من تطبيع مع التفاهة، وترويج للسلوكيات الشاذة، ليس عفويًا. بل هو جزء من مسار يراد له أن يغير بوصلة المجتمعات، ويحول الإنسان من كائن راشد إلى مستهلك للغريزة. والعلمانية، تصبح مجرد وسيلة لتبرير هذا الانحراف.
لكن اللافت أن هذا التيار لا يحمل في جوهره فكرًا بناءً أو إنتاجًا معرفيًا حقيقيًا، بل يظل انعكاسًا لتخلي أو ضعف القيم الراسخة. فعندما تواجه القيم التقليدية والهويات الأصيلة، يتصرف العلمانيون بشكل عدائي، متورطين في هدم الأخلاق وتمهيد الطريق لانحلالات اجتماعية متسارعة.
يجب أن نعترف أن التمرد الأخلاقي هو جزء من طبيعة الإنسان منذ بدا الخليقة، فهو الميل الطبيعي لاختبار حدود الحرية والانفتاح، لكن الخطير ليس هذا التمرد بحد ذاته، بل السكوت عليه والتماهي معه بلا وعي أو مقاومة. ذلك هو الخط الأحمر الذي يعبر المجتمع منه إلى الانحدار الحقيقي، حيث يصبح التمرد مسوغًا للانحلال بدلًا من أن يكون دعوة للإصلاح.
من هنا، يتحمل كل فرد مسؤولية الوعي والمواجهة، فالصمت لا يعني الحياد، بل هو مشاركة ضمنية في هذا الانحلال. يجب أن يتحول الرفض الأخلاقي إلى عمل فعلي ينبع من الوعي بثقل الأمانة التي يحملها كل منا في الحفاظ على القيم التي تحمي المجتمع.
في النهاية، العلمانية ليست مجرد تيار فكري، بل هي ظاهرة اجتماعية تعكس حالة من الفراغ الروحي والقيمي، وظهورها هو جرس إنذار يدعو إلى إعادة بناء الوعي وتعزيز الدور الأخلاقي لأهل الحق، الذين هم الحصن المنيع ضد زحف الفوضى الأخلاقية.