في ظل تصاعد النقاشات الحادة على مواقع التواصل الاجتماعي، وارتفاع منسوب الخطاب الانفعالي المرتبط بالعلاقات المغربية-الجزائرية، بات من الضروري التذكير بأن الوطنية لا تقاس بحدة الخطاب ولا بسرعة ردود الفعل، وأن الانجرار وراء الاستفزاز لا يخدم دائمًا مصلحة البلد.
ولا بد من التذكير كذلك أن كل من يساهم في تسميم الأجواء بين المغاربة والجزائريين فاقد للبوصلة، مهما كانت النوايا التي يبرر بها هذا السلوك.
بعض “المساكين” يظنون أنهم، بالتهكم على الجيران أو بتتبع زلاتهم، يدافعون عن بلدهم، بينما هم في الحقيقة لا يقومون سوى بدور معاول الهدم، أو كمن يحفر قبره بيديه. وقبل أن يرد البعض بالقول إن هذه الزلات والانزلاقات أصبحت تثير الغثيان، فأنا متفق مبدئيًا مع هذا الطرح. صحيح أن الخطاب السائد في الجزائر يميل إلى الاستعداء وخلق عدو وهمي، وهو أمر غير مفهوم على الأقل شعبيًا، أما على المستوى الرسمي فيبدو جزءًا من مشروع هدفه التنفيس عن الوضع القمعي الذي يفرضه عسكر الجزائر في البلد وحال الأنظمة غير المتجذرة مجتمعيا أنها دائما ما تحتاج إلى خلق “عدو خارجي” لأن هذا الأمر مرتبط كليا ببقائها .
غير أن الدولة المغربية اكتسبت مناعة وقدرة على مواجهة هذا الأسلوب بهدوء وفعالية، عبر ما يمكن تسميته بسياسة “الدق والسكات”.
إن ما يغيضني كثيرا في هذا الصراع الدونكيشوتي، هو انخراط فئات كان يفترض فيها أن تكون في مستوى تحليل أعمق لطبيعة النقاش، بحكم موقعها أو خطابها أو تأثيرها، لكنها انساقت بدورها إلى هذا المستنقع الآسن، وساهمت في تغذية خطاب عدائي سطحي لا يخدم أي مصلحة وطنية حقيقية.
بل إن كل المؤشرات تدل على أن هذا الصراع، في جانب كبير منه، مفتعل ومغذى من جهات تستفيد مباشرة من تأجيج التوتر وصناعة الاستقطاب. ويكفي القيام بجولة سريعة في بعض الصفحات التي تحصد تفاعلات مرتفعة وليس جميعها طبعا للوقوف على أن الصفحات التي ترفع منسوب الخطاب العدائي هي في الغالب صفحات مفبركة أو مشبوهة، تدار بمنطق اللعب على التناقضات.
في المقابل، تحقق الدولة المغربية انتصارات قوية على أرض الواقع، في الميدان، لا على المواقع. ولذلك لا ينبغي أن نكون معاول هدم لهذه المكاسب. البوصلة يجب أن تبقى واضحة، لأن كرة القدم في النهاية لعبة تنتهي داخل الملعب.
أما خارج الملعب، فالتعامل يجب أن يكون بمنطق المصالح الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. مصلحتنا كشعب أن نترفع عن كل ما من شأنه شحن الاجواء أو تغذية الصراعات الهامشية.
وفوق المصلحة، يوجد الواجب، وهو واجب الامتثال لقيم الاسلام وما نحب أن نسميه “قيم تمغرابيت” التي تشكلت منها هويتنا المغربية. المؤسف أن هذه القيم أصبحت، وللأسف، تزعج حتى بعض أبناء الوطن.
إن الرهان اليوم، خصوصا مع كأس افريقيا، هو استثمار هذه المناسبة في التسويق للمغرب اقتصاديا، وثقافيا، وسياحيا. نحن نستقبل إفريقيا، والمغرب في حاجة إلى تعميق حضوره داخل القارة، وتعزيز أواصره مع شعوبها.
صحيح أن الدولة حاولت تصحيح أخطاء تاريخية في علاقتها بالقارة الافريقية، ونجحت في تحقيق انفتاح مهم خلال السنوات الاخيرة، لكن العمق الافريقي لا يتحقق فقط بالمنجز السياسي، بل كذلك بالوصول الى وعي المجتمعات، وهو أمر يمر عبر خطاب مسؤول ومجتمع مدرك للتحديات، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية.
الرياضة لعبة، لكنها تحمل امتدادات وتأثيرات في مختلف المجالات. لذلك، لا يجب أن نفقد كشعب بوصلتنا في لحظة دقيقة كهذه. الفرصة بين أيدينا، والمطلوب هو أن نحسن استغلالها، لا أن نكون أول من يبددها.
تعليقات الزوار
أستاذي المحترم، شكراً على هذا الطرح القيّم. أتفق معكم أن الوطنية لا تُقاس بالانفعال أو الخطاب الحاد، بل بالعقلانية وخدمة مصلحة الوطن. كما أن الابتعاد عن الاستفزاز والتركيز على النقاش الهادئ هو السبيل الأفضل لبناء وعي مسؤول.
عدائنا للنظام الجزائري الموالي لأعداء الدين والوطن خاصة منهم ايران الشيعية المجوسية ومن يوالي النظام الجزائري من الشعب
صدقت أستاذي الفاضل. كلام في الصميم