منتدى العمق

هل أُلقي نبي الله يوسف في البئر حقاً؟.. رحلة البحث عن الحقيقة في ‘غيابة الجُب’

​في زمن الاختصار الذي نعيشه، اعتاد الكثيرون التعامل مع القصص القرآني بوصفه موروثاً سردياً نكتفي بملامحه العامة، فغاب عن الأذهان أن كل حرف في كتاب الله ميزان، وكل لفظة هي هندسة ربانية لا تقبل الاستبدال. ولعل قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- هي المثال الأبرز على هذا الإحكام، وتحديداً في تلك اللحظة المفصلية التي ظننا طويلاً أنها مجرد عملية “إلقاء في بئر”.

​إن المتأمل في النص القرآني يجد فرقاً هائلاً بين ما استقر في الوعي الجمعي وبين الحقيقة اللغوية. فالقرآن لم يقل “ألقوه في البئر”، بل قال بلسان عربي مبين: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾. وهنا تكمن المعجزة؛ فالبئر في اللغة هي الحفرة التي يشقها الإنسان ويبطنها بالحجارة وتكون عميقة وخطيرة، أما “الجُب” فهو حفرة طبيعية، ناتجة عن عوامل الأرض، يتجمع فيها ماء المطر، وغالباً ما يعرفها الرعاة والمسافرون كمورد يسير.

​لكن الإعجاز الحقيقي يتجلى في مصطلح “غيابة”. الغيابة هي ذلك الرفّ الصخري أو الموضع المتواري داخل الجب، الذي يقع فوق مستوى الماء ودون فوهة الأرض. هو مكان “يغيب” فيه الجسد عن الأعين العابرة، لكنه لا يغرق في الماء.

​ثمة لفتة نفسية ولغوية مدهشة في قوله تعالى عند التنفيذ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾. انتقل النص من فعل “الإلقاء” الذي اقترحه إخوته في البداية، إلى فعل “الجعل” عند التنفيذ. و”الجعل” هنا يوحي بالوضع بحذر وتدبير، وكأن عناية الله تدخلت في قلوبهم حتى في لحظة الكيد، فلم يرموه رمياً يؤدي إلى كسر أو غرق، بل “جعلوه” في ذلك الموضع المحفوظ الذي أراده الله له ليكون محطة انتقال لا نقطة نهاية.

​لو أن يوسف عليه السلام أُلقي في بئر عميقة مهجورة، لكان الهلاك مصيره المحتوم. لكن وضعه في “غيابة الجب” جعل منه “لقطة” لقافلة تبحث عن الماء. ولهذا قال القرآن: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾. التعبير بـ “يلتقطه” لا يتسق مع بئر سحيقة تحتاج حبالاً ودلاء، بل يتسق تماماً مع موضع يتراءى للواردين حين ينزلون للاستقاء من الجب.

​إن هذا الفارق اللغوي بين “البئر” التي وردت في القرآن مرة واحدة في سياق التعطيل والخراب، وبين “الجب” الذي ورد مرتين في سورة يوسف، يؤكد لنا أن القرآن لا يعرف المترادفات العشوائية. إنها دقة “اللفظ الجراح” التي تضع كل كلمة في مكانها لتخدم المعنى والقدر.

​إن قصة يوسف ليست مجرد دراما إنسانية عن الحسد والتمكين، بل هي درس في “أدب التدبر”. إن دعوة الله لنا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ليست دعوة للقراءة العابرة، بل هي دعوة لفك شيفرات الجمال في كل حرف. فسبحان من جعل من “غيابة الجب” المظلمة، أول درجات العرش في مصر.