ما الذي يجعل أمةً كاملة تُوجَّه عواطفها نحو خصومة لم تختَرها، ويُعاد تشكيل وعيها بحيث يبدو العداء بداهة لا تُناقش؟
حين تُختزل الأوطان إلى هتافٍ في مدرج، وتُختصر القضايا الكبرى في مباراة كرة قدم، يصبح من السهل على بعض الأنظمة أن تُخدّر شعوبها بجرعات زائدة من الانفعال الوطني. وحين يعجز المسؤول عن بناء تنمية أو صناعة أمل، يلجأ إلى صناعة خصومة، وإلى تضخيم “عدوّ” خارجي يحمّله كل ما لا يستطيع مواجهته في الداخل.
وليس غريبًا أن يتحوّل التعصب الرياضي إلى بديل عن الإنجاز، وأن يصبح الانتماء للوطن مجرد انفعال صاخب لا مشروعًا هادئًا. فحين تُربّى الجماهير على أن الفخر الوطني يُقاس بالشتيمة في المدرجات، أو بالصراخ في الشوارع، أو بالتفاخر بسلوكيات لا تليق بإنسان، فاعلم أن هناك من يريد لهذا الانفعال أن يكون غطاءً لشيء آخر.
وما أشدّ الشبه بين من يرفع راية الوطن ليخفي بها فشله، وبين من يصرخ باسم “الكرامة” ليغطي بها جراحًا لم يداوها.
هذا المشهد ليس معزولًا، بل هو نتيجة خمسين سنة من الهندسة الخطابية التي أعادت تشكيل اللاشعور الجمعي. إنها بالضبط ما وصفه مصطفى حجازي بـ سيكولوجية الإنسان المقهور: إحباط داخلي مزمن يُسقَط على “آخر” خارجي، لأن مواجهة مصدر القهر الحقيقي مستحيلة.
وهكذا يصبح العداء للمغرب “بداهة سياسية” لا تُناقش، لا لأنها حقيقة، بل لأنها صارت جزءًا من الهوية الرمزية التي أعادت البروباغاندا إنتاجها جيلاً بعد جيل.
غرامشي يشرح هذا بوضوح: الهيمنة ليست قمعًا فقط، بل صناعة إجماع مزيّف. وألتوسير يضيف أن المدرسة والإعلام والخطاب السياسي ليست أدوات معرفة، بل أجهزة لإعادة إنتاج السيطرة. أما باشلار فيذكّرنا بأن التحرر يبدأ بلحظة قطيعة: لحظة كسر الوهم، والانتقال من “الزمن الإيديولوجي” إلى “الزمن التاريخي–النقدي”.
وهو ما يؤكده فريري حين يجعل الوعي النقدي انتقالًا من الوعي الساذج إلى الوعي المساءِل.
وما نراه اليوم في بعض الملاعب والمنصات ليس إلا مرآة صغيرة تعكس صورة أكبر: مجتمع دُفع إلى الانفعال بدل التفكير، وإلى العداء بدل الحوار، وإلى الهروب من الواقع بدل مواجهته.
فحين تُصبح الرياضة وسيلة لإعادة إنتاج العداء، وحين يُصبح الإعلام مصنعًا للغضب، وحين تُدار السياسة بالعواطف بدل العقل، فاعلم أن هناك من يخشى أن يرى شعبه الحقيقة كما هي.
في المقابل، اختار المغرب طريقًا آخر: اليد الممدودة. ليس فقط كخيار سياسي، بل كرهان إبستمولوجي–أخلاقي يحرر الوعي من أسر السرديات المغلقة.
وقد عبّر جلالة الملك محمد السادس عن هذا بوضوح حين قال:
“ندعو إلى التحلي بالحكمة والرزانة، والابتعاد عن خطاب التشنج والعداء، وعدم الإساءة إلى الشعب الجزائري الشقيق، لأن مصيرنا واحد وأمننا مشترك.”
إن الردّ على الشتم بالشتم لا يفكك البروباغاندا، بل يعيد إنتاجها. أما الوعي النقدي فهو وحده القادر على كسر الحلقة، وإعادة بناء علاقة مغاربية تقوم على العقل لا الانفعال، وعلى الحقيقة لا الوهم.
ولأن الكلام موجّه إلى من يفهم بالإشارة، يكفي أن نقول:
من يبني وعي شعبه على العداء، سيحصد سلوكًا لا يشبه الكرامة.
ومن يزرع الوهم سيحصد الفوضى.
ومن يجعل الرياضة مخدّرًا سيستيقظ يومًا على وعي لا يمكن السيطرة عليه.
إيّاكِ أعني… واسمعي يا جارة.
تعليقات الزوار
ما قلته عن الجزائر ينطبق بالتفصيل الدقيق على المغرب .. !!! ما هذا التناقد .. ؟؟؟!! فكلنا في التخلف مغرب عربي .. ؟؟؟!! تونس الجزائر مراكش شنقيط ..