كشف الخبير في التحول الرقمي والحوكمة الرقمية، رشيد أشنين، أن الصراع السياسي في المغرب لم يعد يقتصر على الفضاءات التقليدية كالبرلمان والحملات الانتخابية، بل انتقل بعمق إلى فضاء جديد أسماه بـ “الفضاء الخوارزمي”، حيث تتم صناعة السرديات وتوجيه الرأي العام عبر “مزارع رقمية” تدار بالبيانات والإعلانات الممولة.
وأوضح الخبير في مقال تحليلي توصلت “العمق المغربي” بنسخة منه، أن المجتمع اليوم لم يعد يتلقى الخطاب السياسي بشكل مباشر، بل عبر وساطة خوارزمية تتحكم فيها منصات عابرة للحدود، مما يجعل المحتوى الذي يراه ويتفاعل معه المواطن نتيجة لمعادلات رياضية غير محايدة.
وأضاف المصدر نفسه أن السياسي لم يعد مضطرا لإقناع الجمهور ببرنامج متكامل، بل يكفيه استهداف مخاوفه وهويته الرقمية وتعزيز انطباع زائف بأن رأيا معينا هو رأي الأغلبية.
وأكد المقال أن “المزارع الرقمية” ليست مجرد حسابات وهمية، بل هي منظومات تأثير متكاملة تضم حسابات آلية وبشرية مأجورة وشبكات من الصفحات المنسقة وحملات إشهارية دقيقة الاستهداف، مشيرا إلى أن ملامح هذه الممارسات بدأت تظهر بوضوح في المغرب عبر تلميع شخصيات سياسية وتوجيه النقاش العمومي وإغراق الفضاء الرقمي بخطابات تقصي النقد.
وأشار الكاتب إلى أن خطورة هذه الممارسات لا تتعلق فقط بالأخلاق السياسية، بل تهدد جوهر العملية الديمقراطية من خلال تصنيع الإرادة العامة رقميا، كما تطرح إشكالية السيادة الرقمية حينما يستخدم السياسي منصات أجنبية وخوارزميات مغلقة لا تخضع لأي رقابة وطنية، مما ينقل جزءا من السيادة السياسية عمليا إلى خارج الحدود.
واستعرض كاتب المقال تجارب دولية كدروس للمستقبل، موضحا كيف أخلت الإعلانات السياسية الرقمية بالتكافؤ الانتخابي في فرنسا، وكيف تحولت المزارع الرقمية إلى عامل زعزعة للاستقرار المؤسساتي في البرازيل، وكيف أصبحت السياسة في الهند تدار عبر استهداف خوارزمي دقيق حسب الهوية والدين واللغة.
واعتبر رشيد أشنين أن المغرب لا يزال في مرحلة ما قبل الانفجار الخوارزمي الكامل، مما يمثل فرصة تاريخية إما لترك المجال الرقمي بلا تنظيم، أو لفتح نقاش وطني جدي حول تنظيم الحملات السياسية الرقمية وتجريم المزارع الرقمية ذات الطابع السياسي وفرض الشفافية على الإعلانات الممولة.
وخلص الخبير في مجال التحول الرقمي إلى أن الديمقراطية لا تقاس بعدد “الإعجابات” أو “الترند”، محذرا من أنه إذا لم يتم الانتباه لخطورة تسييس الخوارزميات اليوم، فقد يستيقظ المغرب غدا على مشهد سياسي يبدو ديمقراطيا لكنه مهندس رقميا ومفصول عن الإرادة الحقيقية للمواطن، مؤكدا أن المعركة القادمة هي معركة سيادة رقمية بامتياز.