منير لكماني
منتدى العمق

قناع البهجة

يخدعنا الضحك حين يلمع على الوجوه كأنه برهان صفاء داخلي. نراه يتصدر المجلس، سريع الحضور، حاضر النكتة، بارع الإلتفاف على الصمت. ثم تفضحه ومضة قصيرة: نظرة تنطفئ، شرود خاطف، إبتسامة تتأخر عن الكلام لحظة لا تكاد ترى. عندئذ ندرك أن بعض الضحك ليس إحتفالا، بل طريقة مهذبة لتهدئة ما يضج في الداخل. هو لغة من تعود أن يحمل ثقله وحده، فيحول الألم إلى تعليق خفيف، والضيق إلى طرفة، والخذلان إلى جملة تمر بين الضحكات من دون أن ينتبه أحد. وبين ما يقال وما يكتم، تتشكل ظاهرة تستحق أن تقرأ بإنصاف: ضحك يعلن الحياة، لكنه يخبئ معركة.

فرح مزيف

الضحك غالبا يقرأ علامة إرتياح، غير أن إبتسامات بعينها تحمل رسالة مزدوجة: أنا بخير كي لا أقلقكم، وأنا مرهق كي لا أفتح باب الأسئلة. هنا يصير الضحك تهدئة سريعة للتوتر، كأنه صمام يمنع الداخل من الإنفلات. قد يضحك المرء لأن صدره يضيق، فيمنح نفسه فسحة هواء، ولو كانت في هيئة مزحة عابرة. ليست القضية زينة كلام، بل واقع يتكرر: حين تتحول الفكاهة إلى درع، تتقدم إلى الواجهة لتمنع الوجع من الظهور في غير أوانه.

قناع المجلس

الناس يميلون إلى صاحب الروح المرحة؛ يفتحون له الأبواب، ويقربونه من القلوب، ويمنحونه مكانا آمنا في الدائرة الإجتماعية. لذلك يتعلم بعضهم باكرا أن الظهور ببشرة مشرقة أقل كلفة من الظهور بملامح منهكة. ومع الوقت يلتصق القناع بالوجه، ويغدو الضحك رد الفعل الجاهز على الخيبة والضغط وكلمة عابرة قد تجرح. ليس لأن الجرح سطحي، بل لأن صاحبه آثر أن لا يحرج نفسه ولا غيره باعتراف مباشر. هكذا تتكون مهارة خفية: تحويل الموقف المؤلم إلى طرفة، والخسارة إلى قصة مسلية، والقلق إلى تعليق ساخر يضحك الجميع ويبقيه هو في مأمن من الأسئلة.

ستر النجاة

الفكاهة أحيانا ليست ترفا، بل حيلة بقاء. هي لا تمحو الحقيقة، لكنها تغير طريقة حملها. بدل أن يسقط صاحبها تحت ثقلها، يرفعها قليلا، يضعها على كتف أخف، ثم يمضي. وقد تكون السخرية إعادة ترتيب لما حدث: إذا عجزت عن تغيير الواقع، استطعت أن أغير زاوية النظر إليه، وأن أعيد صياغته كي لا يبتلعني. بهذا المعنى يصبح الضحك ستر نجاة: يقي من الغرق، ولو لم يشف الألم من جذوره.

مزاح مخادع

غير أن هذا الدرع، على فائدته، قد يخفي إشارات تحتاج إنتباها. من يكثر ضحكه قد يؤجل حزنه بدل أن يواجهه، وقد يعتاد الهروب من المواجهة العاطفية حتى تضعف قدرته على طلب السند حين يشتد الضيق. ليست العلامة في كثرة الضحك وحدها، بل فيما يجاورها: إرهاق لا يبرح، توتر سريع، نوم مضطرب، إنفعال مفاجئ، أو إنسحاب صامت بعد أن ينطفئ الضوء. عندها يطل سؤال لا ينبغي تأجيله: هل هذا الضحك فرح فعلا، أم أنه طريقة أخرى للبقاء واقفا؟

مودة بحدود

الستر حاجة إنسانية قبل أن يكون عادة إجتماعية، والقلوب لها مسافات لا تحب الإقتحام. لذلك تكون المساندة الأذكى هي التي تحترم الخصوصية وتترك لصاحب الوجع حق إختيار اللحظة والكلمة. لا تجعل مزاحه مادة تعليق، ولا تطارده بالأسئلة أمام جمع. اقترب بهدوء: كلمة تقدير صادقة، سؤال رقيق في وقت مناسب، عرض عون بلا إلحاح، وإصغاء يمنح الطمأنينة لا الفضول. والأهم أن تهبه أمنا بسيطا: أن يتكلم دون محاكمة، وأن يتعب دون لوم، وأن يخفف قناعه قليلا دون أن يشعر أنه خسر صورته أو مكانته.

أصداء الضحك

هكذا نفهم أن الضحك قد يكون بابا إلى الداخل لا نافذة على الفرح فقط. قد يكون مهارة نجاة، وقد يكون ستارا يخفي ما لا يحتمل صاحبه إظهاره. وبين هذين الوجهين تقف مسؤوليتنا: أن نقرأ الناس بلطف، وأن نؤمن أن الوجع لا يظهر دائما في هيئة دمعة. فكم ضحكة كانت طلبا خفيا للطمأنينة؟ وكم مزحة كانت طريقة لتأجيل الانهيار؟ وهل نمنح من حولنا مساحة آمنة ليقولوا: أنا متعب، من دون أن نخسر إحترامنا لهم أو يخسروا إحترامهم لأنفسهم؟