وجهة نظر

كأس إفريقيا وسؤال تمغربيت: لمن نلعب؟

باحث في الفلسفة والإنسانيات

لم تعد تمغربيت مجرد كلمة متداولة في النقاشات اليومية أو في لحظات الانتصار الرياضي، بل صارت تعبيرًا عن حاجة عميقة: الحاجة إلى الاعتزاز بالذات المغربية دون انتظار شهادة حسن سلوك من الآخر. إنها ليست شعارًا عاطفيًا، بل موقفًا أخلاقيًا وثقافيًا من العالم، يختبر نفسه بقوة في اللحظات التي يُسلَّط فيها الضوء، وتشتد فيها الأحكام والانفعالات.

كأس إفريقيا 2026: اللحظة الكاشفة

جاءت كأس إفريقيا 2026 التي احتضنها المغرب لحظة كاشفة بامتياز. تنظيم استثنائي شهد له الجميع، بنية تحتية من الطراز العالمي، ومنتخب وطني حقق الانتصار تلو الآخر ووصل إلى المباراة النهائية بأداء مبهر. لكن ذلك كله لم يمنع حملات التشكيك المنظمة: اتهامات بالتحكيم المنحاز، تقليل من قيمة الإنجاز، وتصوير كل نجاح مغربي على أنه “كولسة” أو محاباة. محاولات ممنهجة لتشويه صورة التنظيم، والطعن في حسن الاستقبال، وإنكار الواضح من الجودة والاحترافية.

هذا المشهد، رغم مرارته، يطرح سؤالًا أعمق من الكرة: متى نتوقف عن انتظار اعتراف من لا يريد أن يعترف؟ متى ندرك أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بمرآة الآخر، بل بمعاييرنا الخاصة وبرؤيتنا لأنفسنا؟

في هذا السياق، لم تكن كأس إفريقيا مجرد بطولة كروية، بل تحوّلت، عن قصد أو بدونه، إلى مرآة للواقع: مرآة لكيفية تعاملنا مع النجاح، ومع النقد، ومع نظرة الآخر إلينا.

الهوية: حين تتحول إلى سؤال

الهوية ليست معطى جاهزًا، بل بناء تاريخي متحرك، يتغذى من اللغة، والذاكرة، والقيم المشتركة. غير أن المجتمعات التي عاشت التجربة الاستعمارية، مثل المغرب، ورثت إشكالًا أعمق: العيش الدائم تحت مرآة الآخر، والبحث عن الاعتراف منه بوصفه معيارًا للقيمة.

نلمس ذلك في تفاصيل صغيرة لكنها دالة: حين يصبح ثناء سائح أجنبي على الطاجين أو الكسكس مصدر فخر مضاعف، أو حين تتحول تغطية إعلام غربي لحدث مغربي إلى قيمة أكبر من الحدث نفسه. هذه المواقف، رغم بساطتها، تكشف عن بنية نفسية عميقة: الحاجة المستمرة إلى المصادقة الخارجية.

لكن التاريخ المغربي نفسه يقدم لنا دروسًا أخرى. حين انتصر المغرب في معركة وادي المخازن سنة 1578، لم ينتظر اعترافًا من القوى الأوروبية بشرعية انتصاره، بل بنى على ذلك الانتصار مرحلة من السيادة والقوة. وحين قاوم أبطالنا المغاربة الاستعمار في كل شبر من التراب الوطني، من الريف إلى الأطلس، من الصحراء إلى السهول، لم يفعلوا ذلك طلبًا للاعتراف، بل دفاعًا عن الكرامة والأرض. هذه اللحظات التاريخية تذكرنا بأن النجاح الحقيقي يُبنى من الداخل، لا من انتظار التصفيق الخارجي.

هنا تظهر تمغربيت لا كشعار، بل كفعل تحرر رمزي: تحرر من عقدة النقص، ومن وهم أن الكرامة تُمنح من الخارج.

كرة القدم كاختبار للوعي

في لحظات التتويج أو الإقصاء، تصبح كرة القدم مجالًا مكثفًا لظهور هذه الإشكالية. فالهزيمة جزء طبيعي من الرياضة، ولا يمكن اختزال مشروع كروي أو تجربة وطنية في مباراة واحدة. غير أن ما رافق البطولة الأخيرة كشف أن الإشكال لم يكن رياضيًا بقدر ما كان ذهنيًا وثقافيًا.

لقد قدّم المغرب نموذجًا واضحًا في التنظيم، والاستثمار في البنية التحتية، والعمل الهادئ طويل المدى. نموذج لم يولد صدفة، بل هو نتيجة رؤية وإرادة وتراكم. المنتخب الوطني فاز في جميع مباريات ومحطات الدورة، قدم كرة قدم جميلة ومنظمة، وأثبت أن الاحترافية والانضباط طريق للنجاح. التنظيم كان محل إشادة حتى من ألد المنتقدين. الجماهير المغربية قدمت درسًا في الحضارية والتشجيع الراقي.

ومع ذلك، وُوجه هذا النموذج أحيانًا بالتشكيك، وبسوء الفهم، وبمواقف عدائية لا تخدم مستقبل الكرة الإفريقية بقدر ما تعكس صعوبة التعايش مع نجاح يخرج عن المألوف. كل انتصار للمنتخب كان يُستقبل بموجة من الشكوك حول التحكيم. كل صورة جميلة للتنظيم كانت تُقابل بمحاولة لإيجاد الثغرات والعيوب. حتى الجماهير المغربية لم تسلم من التشكيك في عددها وحماسها.

هذا التناقض الصارخ – بين الإنجاز الواقعي والإنكار المستمر – يكشف حقيقة مهمة: المشكلة ليست في مستوى أدائنا، بل في رفض الاعتراف بنجاحنا مهما كان واضحًا. حين ننجح بمعاييرنا ونُنكر بمعايير غيرنا، يصبح واضحًا أن اللعبة ليست عادلة، وأن انتظار الاعتراف من هذا الطرف هو مضيعة للوقت والطاقة.

هنا تتجلى تمغربيت في بعدها العملي: الهدوء بدل التبرير، والعمل بدل الضجيج، والمسار بدل اللحظة. نحن لم ننجح لنُثبت شيئًا لأحد، بل لأننا نبني مشروعًا وطنيًا طويل المدى، سواء اعترف به الآخرون أم لا.

نزع الاعتراف لا يعني معاداة الآخر

حين نتحدث عن نزع الاعتراف، لا نعني القطيعة مع العالم أو إنكار الشراكات، بل نزع مركزية الآخر بوصفه الحكم النهائي على قيمتنا. فالاعتراف، حين يتحول إلى تبعية، يفقد معناه الأخلاقي ويغدو أداة هيمنة رمزية.

حين يُنكر نجاحك رغم وضوحه، فالمشكلة ليست فيك، بل في عين الناظر. وحين تدرك ذلك، تتحرر من سلطة هذه العين، وتبدأ في النظر إلى نفسك بعينك الخاصة.

المغرب لا يحتاج إلى إثبات شيء لأحد. لا في كرة القدم، ولا في غيرها. ما يحتاجه هو الاستمرار في بناء نموذجه، وحماية صورته، والتعامل مع محيطه من موقع الندّ، لا من موقع الباحث عن الشرعية.

تمغربيت ضد الشعبوية

أخطر ما يمكن أن يصيب تمغربيت هو اختزالها في قومية صاخبة أو خطاب انفعالي. فالاعتزاز بالذات لا يعني احتقار الآخرين، والانتماء لا يبرر التعالي، والدفاع عن الهوية لا يشرعن العداء.

تمغربيت الأخلاقية هي:

اعتزاز بلا استعلاء، انتماء بلا انغلاق، خصوصية بلا عداء، قوة رمزية بلا صراخ.

وتظهر هذه الأخلاق في احترام التعدد داخل المجتمع المغربي نفسه: أمازيغية وعربية، حسانية وريفيّة، دارجة وفصحى. كما تظهر في طريقة تعاملنا مع الهزيمة كما مع النجاح. الخسارة في النهائي أمام السنغال لم تمحُ قيمة المسار كله، ولم تُلغِ الإنجاز التنظيمي، ولم تُنقص من الكرامة التي لعبنا بها.

من سؤال الآخر إلى سؤال الذات

الدرس الحقيقي من كأس إفريقيا 2026 ليس في الكأس التي لم نرفعها، بل في المرآة التي وُضعت أمامنا. حين ننجح بمعاييرنا ونُنكر بمعايير غيرنا، يصبح السؤال الحقيقي: لمن نلعب؟ لمن نبني؟ لمن ننظّم؟

تمغربيت تعني أننا نلعب لأنفسنا، نبني لمستقبلنا، ونقيس نجاحنا بمساطرنا الخاصة. الاعتراف الخارجي قد يأتي أو لا يأتي، لكنه لم يعد شرطًا لتقدير ما أنجزناه.

في النهاية، تمغربيت ليست ضد العالم، بل ضد الارتهان له. هي انتقال هادئ لكن حاسم من سؤال: كيف يرانا الآخر؟ إلى سؤال أعمق: كيف نرى أنفسنا؟

حين نملك هذا الوعي، تصبح كرة القدم مجرد جزء من مشروع وطني أشمل، عنوانه الثقة بالذات، والاستثمار في الإنسان، وبناء المستقبل دون ضجيج. ويغدو الاعتراف الخارجي نتيجة طبيعية، لا غاية يُستجدى الوصول إليها.

تمغربيت تُعاش في التفاصيل: في اللغة التي نتحدث بها دون اعتذار، في الثقافة التي ندافع عنها لقيمتها الذاتية، في الرياضة التي نمارسها بعقلية مشروع لا بعقلية ردّ الفعل.

وهي، في جوهرها، اختيار أخلاقي يومي:
أن نكون واثقين دون تعالٍ،
منفتحين دون ذوبان،
ومغاربة… لأننا نعرف من نحن.