يعتبر تنويع العرض التربوي والتعليمي بمختلف مراحل التعليم الأساسية،(الإبتدائي،الاعدادي،الثانوي التأهيلي) مدخلا من المداخل الكبرى لتجويد المنظومة التعليمية بالمغرب،وجعلها أكثر إنتاجية وقابلية لمتطلبات سوق الشغل ولإعداد جيل مثقف واعي وفاعل ومؤثر في محيطه الخاص ومحيطه الخارجي،متملك لمهارات التعامل مع تقلبات الحياة ومع متغيرات العصر والواقع المهني،وعلى هذا الأساس جاء القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بالتربية والتكوين بعدة مقتضيات تصب في هذا الشأن،على الرغم من كونها ظلت محصورة في تطوير المهارات اللغوية والحسابية والإهتمام بمجالات العلوم والتكنولوجيا لكنها لم تتعدى هذا النطاق لتشمل إدراج مواد جديدة بالأسلاك الثلاث ولا فتح شعب ومسالك جديدة في مرحلة الثانوي التأهيلي ولا إعادة النظر في البرنامج الزمني المخصص لتلاميذ كل فترة على حدة،ولا حتى في الوحدات المناسبة لكل تخصص على حدة،ولا في مسطرة التوجيه والإرشاد لما بعد تحصيل شهادة البكالوريا،أما محور العلوم الإنسانية والاداب فالكاد نلمس له أثرا في هذا القانون الذي يضع خارطة الطريق لإصلاح منظومة التعليم بالمغرب كما يزعم البعض،فالتخصصات الإنسانية والاجتماعية لا تحظى بنفس التقدير الذي تحضى به التخصصات العلمية والتقنية ولا يمكن لأي إنسان عاقل أن ينكر فضل العلوم الإنسانية على البشرية،فالمهندس الذي يشتغل من دون وازع أخلاقي أو ديني قد يتسبب في مقتل العديد من الأشخاص بفعل سقوط بناية تم تشييدها من دون مراعاة شروط الأمان والسلامة…
لذلك فالتلازم بين هذه العلوم أمر محمود وواجب.
ولذلك يجب على الدولة إعادة النظر في المناهج الدراسية المقررة في جميع المحطات التعليمية الأساسية وتطعيمها بوحدات جديدة تستجيب للواقع المعاصر وتؤهل التلميذ للتفاعل مع ما يجري في واقعه بشكل عقلاني وتشريحي،ينمي لديه ملكة النقد والتحليل والمفهم والقدرة على التعبير والتناظر…
وسنحاول من خلال هذا المقال وضع مقترح هندسة جديدة لوحدات تعليمية يمكن اعتمادها في جل الأسلاك التعليمية الأساسية بالمغرب على غرار؛علم النفس(أولا)،علم الإجتماع(ثانياً)،التربية الإعلامية(ثالثاً)،الثقافة العامة(رابعاً)،التربية الحقوقية والقانونية(خامسا)،التربية المالية(سادس)،وسنعالج كذلك فتح مسلك العلوم الإدارية والقانونية بمستوى الثانوي التأهيلي (سابعا).
أولا:علم النفس:
إن إعتماد مادة علم النفس في المرحلة الثانوية التأهيلية،وعلى وجه الخصوص لدى تلاميذ مسلك العلوم الإنسانية والآداب لمن شأنه أن يفتح أمامهم أفاق جديدة ويجعلهم يطلعون على ظواهر إنسانية جديدة ويمكنهم من فهم أعمق لماهية الإنسانية كجهاز نفسي،وتملكهم لأساسيات التحليل النفسي وغيرها من المهارات الواجب توافرها لدى تلاميذ هذا المسلك بصفة عامة،مع إقرارها كمادة أساسية لهؤلاء التلاميذ عن طريق الرفع من عدد الحصص المخصصة لها والرفع من معاملها في تقييم المراقبة المستمرة،واعتبارها من المواد المبرمجة في الامتحان الإشهادي لطلاب شعبة الآداب والعلوم الإنسانية لا على صعيد الاختبار الجهوي أو على صعيد الاختبار الوطني،كما يمكن إدراجها لباقي المسالك بالمستوى الثانوي التأهيلي كمادة للتفتح أو مادة تكميلية على الرغم من أهميتها لجميع الشعب.
ثانياً:علم الاجتماع:
يعد إدراج علم الاجتماع كمادة للتفتح في الثانوي التأهيلي من التعليم النظامي،مطلبا لا محيد عنه نظرا لدورها في توعية التلاميذ بمشاكل المجتمع وكيفية التعامل معها،وتدريبهم على التحليل السوسيولوجي لمختلف الظواهر التي تمس حياتهم،هذا فيما يخص تلاميذ الشعب العلمية والتقنية أما بالنسبة لتلاميذ شعبة العلوم الإنسانية والاداب فيجب إقرار هذه المادة كمادة أساسية مع تخصيص معامل كبير لها وعدد كبير من الحصص في الأسبوع،مع برمجتها في الامتحان الوطني الإشهادي أو الجهوي.
ثالثاً: التربية الإعلامية:
يجب إدماج مادة التربية الإعلامية في جميع المستويات،ويعزى هذا إلى كونها تنمي لدى التلميذ المهارات التذوقية والنقدية والإعلامية،خاصة في المرحلة الإبتدائية من التعليم الأساسي،ويستوجب أن تغطي هذه المادة تنمية مهارات:
– تحليل المعلومات.
– مهارات التعامل مع الأجهزة الذكية.
– مهارات التعامل مع الحاسوب والتلفاز.
– مهارات التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي.
– مهارات توظيف ومعالجة المعلومات.
– مهارات التوثيق المعلومات.
– مهارات الاستخدام الٱمن للأجهزة الذكية.
– مهارات تركيب اللواقط الهوائية والصحون الهوائية وأجهزة الإستقبال وطرق تحديد موقع الإشارات الكهرومغناطيسية لإلتقاط القنوات الفضائية (مهارات خاصة بالمستوى الثانوي التأهيلي).
والغاية من من إعتماد هذه المادة إكساب التلاميذ ملكات التعامل الفاحص مع مختلف الوسائل الإعلامية وتعزيز الحس النقدي لديهم للحيلولة دون حدوث ٱثار سلبية تنجم عن الاستهلاك العشوائي والغير منظم للمواد التي تنشرها أو تبثها أو تذيعها وسائل الإعلام المتنوعة،وكذا تعليمهم مهارات استخدام الأجهزة الذكية.
رابعاً: الثقافة العامة:
عبارة عن مادة تكميلية،تزود التلاميذ بالمعلومات العامة في مختلف المجالات؛رياضة،سياسة،فن،مسرح…الغرض من برمجتها في النظام التعليمي تكوين موسوعة معرفية لدى التلاميذ وإغناء رصيدهم المعرفي في كل القطاعات حتى يكونوا مؤهلين للمشاركة برأيهم في كل القضايا التي تشغل بال الرأي العام الوطني،ويستحسن أن تدمج في جميع المراحل التعليمية الأساسية،و جعلها من مواد الامتحان الوطني للبكالوريا لجميع الشعب و المسالك.
خامسا: التربية الحقوقية والقانونية:
نظرا لما تحمله هذه المادة من محاور هامة،يستحب أن تستدرج في المستوى الثانوي التأهيلي من التعليم النظامي المغربي،بحيث سيتعرف التلميذ من خلال هذه المادة عن على حقوقه وواجباته،ومؤسسات احقاق العدالة بالمغرب،وتوعيته بكيفية صناعة القانون ومفهوم القانون وأوجه تطبيق القانون في حياته اليومية،وتأهيله لمتابعة دراسته العليا في العلوم القانونية مستقبلا،وتهذيب سلوكه وأفعاله عن طريق إحساسه بأهمية استحضار روح المسؤولية الأخلاقية والقانونية في كل تصرفاته وتنبيهم لبعض التجاوزات التي يتم ارتكابها في محيطهم الدراسي ونوعية العقوبات المقررة قانونا عنها.
ويستحب أن تبرمج كمادة أساسية في هذا المستوى التعليمي،مع برمجتها في احدى الامتحانات الإشهادية.
سادسا: التربية المالية:
يستحسن أن تعتمد كمادة مستقلة عن التربية الأسرية،فعبر هذه المادة سيتعلم التلاميذ كيفية تدبير مصروفهم الجيبي،وسيتم تدريبهم على ثقافة الإدخار،وترتيب أوجه الإنفاق المالي لديهم،وكيف تنمية اموالهم واستثمارها فيما يعود عليهم بالنفع عليهم وعلى محيطهم،وتربيتهم على الفكر المقاولاتي و المبادرة الحرة،وتنبيهم لمخاطر الاقتراض وللإستغلال المشبوه للمال،تبقى هذه المادة مقتصرة على تلاميذ المرحلتين الإعدادية والثانوية التأهيلية.ولايشترط أن تكون مادة من مواد الامتحانات الإشهادية،نظرا لكونها تتم معالجتها ضمن المهارات الحياتية.
سابعا:مسلك العلوم القانونية والإدارية:
يشكل فتح مسلك العلوم القانونية والإدارية في التعليم الثانوي التأهيلي المغربي،حلقة وصل ما بين المرحلة الجامعية و المرحلة الثانوية التأهيلية في قالب يترجم الامتداد الحاصل ما بين التعليم العالي والتعليم الثانوي التأهيلي،ورابط ما بين التعليم الاساسي وسوق الشغل سيما على مستوى تأهيل موارد بشرية في المهن القانونية والقضائية والإدارية،وبالتالي تمهيد التلاميذ لتعميق التخصص في هذه الشعبة لاحقا،وعلى هذا الأساس نقترح إعتماد الهندسة البيداغوجية التالية في تفعيل هذا المسلك؛
تستغرق الدراسة بمسلك العلوم القانونية والإدارية ثلاثة سنوات،تتوج بالحصول على شهادة البكالوريا في العلوم القانونية والإدارية،تعتبر السنة الأولى بمثابة جذع مشترك علوم قانونية وإدارية،في حين السنة الثانية هي بمثابة مستوى الأولى بكالوريا فيها يختار التلميذ اما التخصص في العلوم القانونية أو العلوم الإدارية،وتبقى السنة الثالثة هي السنة الختامية في المسلك وفيها يعمق التلميذ معارفه و مهاراته في الشعبة التي اختارها في السنة الثانية وتعد السنة الثانية في مقام مستوى الثانية بكالوريا.
وفيما المواد المقترحة في كل سنة على حدة:
جذع مشترك علوم قانونية و إدارية:
ـ الثقافة القانونية.
ـ الثقافة السياسية.
ـ اللغة العربية.
ـ اللغة الفرنسية.
ـ اللغة الانجليزية.
ـ علوم إسلامية.
ـ فلسفة وقضايا العصر.
ـ ثقافة إدارية.
ـ التربية الإعلامية.
ـ التربية المالية والأسرية.
ـ التربية البدنية.
ـ اللغة والترجمة القانونية.
السنة أولى بكالوريا شعبة العلوم القانونية:
ـ التربية الحقوقية.
ـ التربية القانونية.
ـ علوم الحاسوب.
ـ الشريعة والفقه الإسلامي.
ـ مؤسسات العدالة والقضاء.
ـ الاستشارات والتوجيهات القانونية.
– اللغات.
– علم النفس.
– علم الاجتماع.
– مبادئ القانون الخاص.
– مبادئ القانون العام.
– التربية البدنية.
– المهارات الحياتية.
– التاريخ والجغرافيا.
السنة الثانية بكالوريا شعبة العلوم القانونية:
ـ التواصل القانوني.
– المؤسسات الدستورية.
– أخلاقيات العمل الأمني.
– أخلاقيات القاضي.
– أخلاقيات المحامي.
– مدخل إلى المهن القانونية والقضائية.
– مدخل إلى المهن المساعدة للقضاء.
– صناعة القوانين ومراحل إصدارها.
– دراسة النصوص القانونية.
– التربية المدنية.
– التاريخ والجغرافيا.
– اللغات.
– الترجمة القانونية.
ـ التربية البدنية.
السنة الأولى باكالوريا شعبة العلوم الإدارية:
ـ علم الإدارة
ـ التواصل الاداري.
ـ المؤسسات العمومية.
ـ مدخل للتدبير والتسيير.
ـ تاريخ الإدارة المغربية.
ـ اللغات.
ـ التربية الإسلامية.
ـ التربية المدنية.
ـ الترجمة القانونية.
ـ قضايا الشأن العام المحلي.
ـ الثقافة العامة السياسية والدستورية.
السنة الثانية بكالوريا شعبة العلوم الإدارية:
ـ الإدارة في الإسلام.
ـ النظام الإداري المغربي.
ـ مفاهيم أولية في علم المالية العامة والضرائب.
ـ التحرير والتراسل الإداري.
ـ المرافق العمومية والأملاك العامة.
ـ اللغات.
ـ الفلسفة الإدارية والفكر الإداري المعاصر.
ـ التربية البدنية.
ـ علوم الحاسوب والإدارة الرقمية.
ـ التاريخ والجغرافيا.
ترصيدا لما سبق يمكن القول إن تنويع العرض التربوي بالتعليم النظامي المغربي،من شأنه أن يتيح أمام التلاميذ
إمكانية الانفتاح على مناهج جديدة تيسر لهم فهم القضايا الواقع ومستجدات حياتهم،كما أنه يساهم في خلق جسور تربط ما بين التعليم الاساسي والتعليم العالي بشكل يعكس التوجيه المسبق و التراكمي للتلاميذ،وبالتالي يقع تكامل بين المراحل التعليمية،كما رأينا في نموذج مسلك العلوم القانونية والإدارية،فهذا الأخير عبارة عن أرضية تؤهل الموارد البشرية لولوج المهن القانونية والقضائية والإدارية بطريقة تصد خصاص الدولة من هؤلاء الكوادر،كما أنه سيوفر فرص تشغيل لعدد من الشباب المجازين في هذه العلوم مما سيحد أو يقلص من هامش رقعة البطالة.