منتدى العمق

المغرب وصيف كأس أمم إفريقيا لكرة القدم 2025

في تظاهرة رياضية لا تشبه باقي التظاهرات، تسارعت دقات الزمن وارتفعت وتيرة الاستعدادات لتعلن جاهزية المملكة المغربية لاحتضان الحدث الكروي الأبرز في القارة الإفريقية للمرة الثانية بعد نسخة ثمانية وثمانين؛ وسط تطلعات جماهيرية كبيرة سعى المغرب إلى تقديم بطولة تليق بالمكانة الكروية ونجح في ذلك؛ لأن البلاد تعيش أزهى فتراتها على مستوى الألقاب والإنجازات.

منذ المباراة الافتتاحية والمغرب يتطلع إلى كتابة فصل جديد يثبت فيه كفاءته التنظيمية وذلك ما حصل شهادة من العالم وأولهم رئيس الكاف باتريس موتسيبي: “المغرب رفع معايير التنظيم بإفريقيا لمستوى تنظيم كأس العالم، وهذه أنجح بطولة نظمت في تاريخ القارة”.

قدّم المغرب نموذجا متفردا للروح الرياضية القائمة على الجدارة والاستحقاق، حيث لم يكن التأهل والتميز وليد الصدفة، بل ثمرة ثورة كروية شاملة وتخطيط استراتيجي طويل الأمد يترفّع عن “لغة التذمر”.

ويرى محللون رياضيون، خَبِروا الملاعب الإفريقية، أن مواجهة كبار القارة بروح قتالية واحترام كامل للمنافسين يعكس نضجا رياضيا يؤمن بأن الميدان هو الفيصل، وأن “الزمن لا يُبقي إلا الأجدر بالبقاء”، بفضل الاستثمار في التكوين والعمل والاجتهاد، بدلا من استنزاف الطاقات في تسويق الوهم وتزييف الحقائق للهروب من مسؤولية الفشل الرياضي.

لم يكن المغرب رابع العالم من فراغ، بل نتيجة استراتيجية عمل تمتد لقرابة عشر سنوات، وهو ما انخرط فيه منذ فترة وبدأ يجني ثماره اليوم، هذا النجاح هو ثمرة تلاقٍ بين الإرادة الملكية السامية لجلالة الملك محمد السادس، الذي وضع النهوض بالكرة المغربية كهدف استراتيجي، وبين وجود كفاءات استوعبت التعليمات الملكية وطبقتها بدقة واحترافية.

إن ما احتضنته بلاد المغرب في هذه التظاهرة الرياضية يفرض توضيحًا صريحًا للرأي العام. فالمغرب، كدولة ذات سيادة وحضارة ضاربة في عمق التاريخ، وكشعب مسلم متشبع بقيم الكرم وحسن الضيافة، فتح أبوابه لإخوته الأفارقة دون تمييز، عربًا كانوا أو غير عرب. هذا السلوك يعكس ثقة الدولة في نفسها، وليس ضعفًا أو تنازلًا عن المبادئ. غير أن الكرم لا يعني التفريط في الكرامة، والاحترام لم يعن الصمت عن التجاوزات.

ما قدّمه المغرب أكّد أن البلاد وضعت سقفًا تنظيميًا غير مسبوق، ونجحت في كسب رهان الثقة، معركة التنظيم قد حُسمت ميدانيًا، والمغرب انتصر فيها بالعمل لا بالضجيج، وبالإنجاز لا بالتحريض.

ضمن المنتخب المغربي تأهله إلى دور ثمن نهائي بعد مشوار ناجح في دور المجموعات، تُوِّج بفوز مستحق على زامبيا، وقدم أسود الأطلس أداءً متوازنًا في هذه المباراة الحاسمة، أكد من خلاله جاهزيته لمواصلة المنافسة في البطولة. كما فاز في دور ال16 على تانزانيا، أما في الدور ربع النهائي فبكل عزيمة وإصرار فاز على منتخب الكاميرون ليواجه منتخب نيجيريا في الدور نصف النهائي وينتصر عليه في ضربات الترجيح.

جاءت مباراة الحسم أمام منتخب السينغال، مباراة الأعصاب، وقدم أسود الأطلس أداءً متوازنًا في هذه المباراة الحاسمة، أكد من خلاله جاهزيته لمواصلة المنافسة في البطولة. ضربة جزاء في الأنفاس الأخيرة، فعلا ضربة جزاء حبست الأنفاس، كادت أن تنسحب بسببها عناصر المنتخب السينغالي من الميدان، ضربة جزاء كانت بمثابة الكأس، لكنها لم تُسجّل.

ذهبت المباراة النهائية إلى الأشواط الإضافية، أشواط قتالية سجل فيها منتخب السينغال هدفه، فكان هدف الفوز والتتويج باللقب.
اكتفى المنتخب المغربي بالوصيف في هذه البطولة، لكنها لم تكن مجرد بطولة تُلعب وتُنسى، بل كان عرضاً مغربياً متكاملاً أظهر للعالم أن المملكة لا تتقن فقط لعب كرة القدم، بل تتقن أيضاً فن التنظيم وصناعة الصورة والنجاح، وحسن الضيافة والكرم والتحلي بالقيم الجميلة.