عندما تعيش في بلدين مُختلفين، بلدك الأم الذي وُلدت و كبِرت فيه و بلد الإقامة الذي أكملت به دراستك و تُربي فيه اولادك، تكون رؤيتك للوطنية مُختلفة قليلاً، فأنت تُريد الخير للبلدين اللذان تنتمي إليهما، تستطيع ان تُحلل مِن مُنطلقين، لانك عِشت و تعيش في مُجتمعين بثقافتين مُختلفتين و لِحُسن حظك تستفيد من مُقدرات بلدين، بلد عريق، حضارته عمرها آلاف السنين و بلد حديث عمره لا يتجاوز 200 سنة. بلد في غالبيته ديانته الإسلام و بلد ثاني له تاريخ و باع مع الكنيسة يُحاول التخلص من مظاهر الدين. بينما الأول يدين بالإسلام الذي هو دين الخُلق و إِقرأ و كرامة الإنسان و العدل. إلا انه يفتقد المُواطن فيه رسمياً لِهذه المباديء العِظام، لكن روح الايمان التي تسري في قلوب مُواطنيه تُخفف ضنك النقص المادي و التنظيمي و التعليمي الذي يعيشونه.
بينما البلد الثاني مُتفوق في التعليم و يعيش مبادئ إِقرأ و كرامة الإنسان و العدل بشكل تنظيمي، تغيب عنه روح الايمان. يتمتع مُواطنيه بالترف المادي و التنظيمي و التعليمي.
فأنا كمُواطنة مغربية احمد الله أنني انتمي لأرضه، وُلدت من والدين مُسلمين و لُغتي الأم لُغة القران. و احمد الله أنني مُواطنة كندية، بلد عرفت فيه قيمة الإسلام و الايمان، رأيت شعباً مُختلفاً، عِشتُ التجربة الغربية التي كُنت اسمع عنها و أنا في وطني الأم، بِشكل مُضخم يُظهر فقط ان الاخر مُتقدم لكن لا يُظهر لِماذا هو يتقدم و نحن في وطننا الأم نتأخر، ولِماذا نحن عندنا الكنوز الثمينة من قِيّم الدين و الموارد البشرية و المادية، لكن المُواطن يعاني الفقر او التفاوت الطبقي الشاسع.
و أنا أُتابع الزخم الكبير الذي تأخذه كرة القدم في بلدي الأم و في بُلدان اخرى نتقاسم معها اللغة و الدين، نتنافس معاً في التأخر، على مستوى التعليم و الصحة و كل ماهو مهم لِكرامة المُواطن…! (نسبقها تارةً في التأخر و تتجاوزنا تارة)
لكن المُهم ان هذه الشعوب التي نسبة القراءة عندها مُتدنية بِتدني الوعي عِندها و مستوى الاجر الأدنى ادنى من الادنى و مصالح المُواطن الادارية تُقضَى في الشهور بدلاً من الساعات، لكنها تنسى أوجاعها إذا تعاطت مُخدر يجعلها تنتشي و هي تعتقد انها المُتفوقة و حققت الإنجازات العظيمة..! و هذا الإنجاز حقاً عظيم في إطاره، هناك فريق عمِل بجِد و حقق الإنجاز الكبير في كرة القدم، رُبما السؤال الذي يُطرح ماذا استفدت انت كمُواطن ؟ ماذا تغير في معيشتك؟ في دخلك ؟ في تعليم أبنائك؟ في الخدمات التي تحتاجها و يحتاجها رُفقاء الوطن؟؟
في نفس الوقت هذا الإنجاز يزرع الأمل ان التغيير و التفوق ممكن في ميادين أخرى إذا أعطيناها الأولوية، إذا توجهت الأنظار إلى ما يحتاجه المُواطن في حياته اليومية.
كما بلدي الأُم نظم كاس أفريقيا فبلدي الذي أعيش فيه سيُساهم في تنظيم كاس العالم هذه السنة، فأحببتُ ان اجري مُقارنة بسيطة بين البلدين، رُبما تشرح الاستفسار لماذا يتقدمون مجتمعياً و نتأخر!!؟؟
ترتيب التعليم في المغرب يحتل مراكز متوسطة إلى متأخرة عالمياً، حيث يظهر في تقارير مختلفة بين المرتبة 64 و 110 عالمياً ضمن مؤشرات عام 2025، مع تركيز التحديات في التعليم العالي والبحث العلمي، ورغم تفوقه أحياناً إقليمياً كمرتبة ثانية أو ثالثة على مستوى أفريقيا، لا يزال بعيداً عن الدول المتقدمة.
اما تصنيف المغرب في كرة القدم 11 عالمياً و سيقفز نحو المراتب المُتقدمة بعد كاس أفريقيا؛
المغرب نظم كاس أفريقيا 2025 بإنشاء كل البنية التحتية اللازمة من ملاعب تُنافس الدول الاروبية؛
الحد الادنى للأجور في المغرب 3045درهم في الشهر بعد الزيادة المُقرر تطبيقها هذا العام.
ممارسة الرياضة في حياة الفرد ضعيفة، و هُناك ضعف في توفر المرافق العمومية الخاصة بالأنشطة البدنية.
اما كندا تحتل مرتبة متقدمة جدًا في التعليم عالميًا، فهي غالبًا ما تكون ضمن أفضل 10 دول، وتُصنف كـ الدولة الأولى عالمياً من حيث نسبة السكان الحاصلين على تعليم ما بعد الثانوي (مثل الشهادات الجامعية والمهنية)، وتُعرف بجودة التعليم العالية وقوة البحث العلمي، وتُعد من أفضل الدول استثمارًا في الفرد في التعليم العام.
تصنيف كندا في كرة القدم 27 عالمياً؛
كندا تُساهم في تنظيم كأس العالم 2026 بِما توفر عندها من بنية تحتية؛
الحد الادنى للأجور بين 15,75 و 17 دولار للساعة
ممارسة الرياضة في حياة الفرد كبيرة و هناك وفرة في المرافق العمومية خاصة بالأنشطة البدنية
هذه المُقارنة ليست للانتقاص و النقد بل تُعطي نبذة عن الاهتمام و الأولويات بين البلدين، و أيهما يستثمر في الفرد، رُبما قيمة ما أنفقه بلدي الأم في البنية الرياضية هو ما تُنفقه كندا في التعليم و الخدمات التي تُقدم لمُواطنيها. لكنها لم تُنفق هذه الأموال الطائلة في الاستعداد لِتنظيم كأس العالم فالاستثمار في المُواطن أولى مِن الإنفاق على تنظيم التظاهرات الرياضية. ربما الحديث يطول في التحدث عن الاستثمار في الفرد لانها سياسة دولة، و نحن في المغرب لاحظنا هذا الإستثمار أعطى أُكله في كرة القدم، و غايب في الميادين الأساسية.
اما اخواننا في الدين و اللغة هُم مِثلنا او أسوء، و لكن لِكل جَمل سِنامه.( و ان كان الجمل يرى فقط سِنام الجمل الآخر، لكن سِنامه موجود فوق ظهره و أولى …)
خُلاصة القول الإنسان عنده ارتباط روحي و عاطفي بِوطنه الأم اكثر من اي وطن آخر، رسول الله (ص) كان يُحب مكة اكثر من اي بِلاد، حتى إنه ﷺوقف يوم هجرته ليقول:
ما أطيبكِ من بلدٍ وأحبَّكِ إليَّ ،
ولولا أنَّ قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيركِ .
ولنا في رسول الله ﷺ أعظم أسوة ومثل في حبّ الوطن، والتمسك بأرضه و حُب الخير و الصلاح له. و ان تكون هِجرة كل مُواطن مغربي نفع للوطن.
أظهر مُدرب الفريق الوطني الركراكي و عديد من اللاعبين الذين أمضوا فترة كبيرة من حياتهم مُهاجرين خارج المغرب، ان الوطني ينفع وطنه، و غيَّرُوا كرة القدم من التباكي الذي كُنا نشهده في السابق كما يفعل اخواننا اليوم إلى الإنجاز، لأن سي ركراكي و وجوه اخرى جاءوا بِفكر و عقلية جديدة هي العمل و الجُهد المُنظم.
هذا الفِكر الذي يتقاسمه مغاربة الداخل و الخارج الذين يُحبون وطنهم و يُريدون ان يكون في احسن الأحوال، هو نهج ممكن ان يُغير البلد نحو الأفضل على جميع المستويات إذا تفاعل معه اصحاب القرار كما فعلوا مع كرة القدم و أعطوا الفُرصة لأمثال الركراكي في التعليم و الخدمات و الصحة..!
كرة القدم اليوم تُعطينا درساً حيًّا إذا اردنا ان نتعلم و نُغير من حالنا ليس فقط اللعب و لكن ايضاً في الجِد.