من المؤكد أن ما وقع أثناء المباراة الختامية لكأس إفريقيا للأمم دورة 2025، بالمغرب، ليس مجرد حدث رياضي عابر، بل يتجاوز ذلك إلى أبعاد أكثر عمقًا وإزعاجًا، خاصة في علاقة المغرب مع بعض البلدان الإفريقية.
لحظة انسحاب الفريق السنغالي، بتحريض من مدربه، وربما من أطراف أخرى نجهلها، كانت تتويجًا لسلسلة من التصريحات والمواقف الناقمة على البلد المضيف، بداية من إعلام بلد عربي معروف تقليديًا بعدائه للمغرب، ثم تطورت إلى ما يشبه جبهة موحدة تنفث سمومها وتشوه صورة البلد وسمعته من بوابة الرياضة. وقد أدى هذا الحدث في المحصلة إلى أعمال عنف في المدرجات وخارجها، وصلت إلى الاعتداء العنيف على مهاجرين مغاربة في السنغال.
في قوانين الفيزياء، لكل فعل رد فعل يناسبه في القوة ويعاكسه في الاتجاه.
كان الفعل المغربي، مع بداية الألفية الثالثة، هو الرهان على إفريقيا لأنه يشكل جزءًا طبيعيًا منها، وفق علاقة مبنية على التعاون المتبادل، أو ما يسميه أهل الاقتصاد والمال بـ :”رابح–رابح”. وقد أدى هذا التوجه إلى ضخ استثمارات كبيرة في بلدان إفريقية عديدة، مثل السنغال، في مجالات الأبناك والتأمينات والفندقة وغيرها. كما سارع المغرب إلى طلب الانضمام إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (سيدياو) مباشرة بعد عودته إلى الاتحاد الإفريقي، وهو الطلب الذي قوبل بمقاومة شديدة حالت دون تفعيله. انتهج المغرب أساليب ناعمة لاختراق فضاء لم يكن يهتم به من قبل: الدبلوماسية الروحية، والمساعدات، وتشطيب ديون بعض الدول الأشد فقرًا، إضافة إلى الرياضة. من أبرز المحركات لهذا التوجه؛ حسم قضية الصحراء المغربية من خلال تذويب الخلافات السياسية في محلول الاقتصاد الدافئ، وبالتالي الاستفادة من الإثنين.
فهل كان الحدث الرياضي تجليًا لردة الفعل الإفريقية تجاه الفعل المغربي؟
رغم حصولها على الاستقلال، تظل علاقة الدول الإفريقية مضطربة مع المستعمر الأوروبي، الذي يستمر في استغلال خيراتها ونهب ثرواتها ودفع أبنائها إلى ركوب قوارب الموت هربًا من الفقر وطمعًا في الفردوس الدنيوي وفي نفس الآن لا تستطيع التحرر من سلطته وتظل مرتهنة لقرارته. في حين شعوبها لا تصنف تلقائيًا بلدان شمال إفريقيا ضمن مجالها القاري الثقافي، وعلى رأسها المغرب. لذلك، تقاوم كل اختراق لمجالها من طرفه، حتى وإن بُني وفق منظور متوازن، فضلًا عن تضارب مصالح المتحكمين في القرارات السياسية والاقتصادية في هذه البلدان من هذا الحضور. من المؤكد أيضا أن التوسع الاقتصادي المغربي في الدول الإفريقية ودوره الدبلوماسي القوي لا يلقى إجماعًا داخل هذه الدول وينظر إليه بتوجس من طرف قوى دولية؛ فرنسا تحديدا، وهناك من يروج له داخليًا باعتباره امتدادًا استعماريًا ناعمًا للرجل الأبيض العربي القادم من الشرق، قبل سنوات، كانت هناك تصريحات تصب في هذا الاتجاه.
ثم تأتي الكرة.
يُعد الفضاء الرياضي عمومًا، وكرة القدم على وجه الخصوص، مجالًا للتطهير النفسي السلمي والاسترخاء، لكنه يتحول أحيانًا إلى فضاء للصراع الرمزي وأداة لتصريف المواقف السياسية، وهو ما بات جليًا في علاقة المغرب مع النظام الجزائري؛ حيث تتخذ المواقف والممارسات الجزائرية تجاه الوفود الرياضية المغربية طابعًا عدائيًا لا يخفي التوظيف السياسي. الجديد هنا هو دخول أطراف أخرى حلبة الصراع وفق أجندات قد تنكشف مستقبلًا. ما حدث لا يخرج عن هذا النطاق؛ تصريحات وتدوينات متناسقة تصاعدت تدريجيًا إلى أن تُوِّجت بتصرف تحريضي كاد يؤدي إلى كارثة تنظيمية تمس حياة الأبرياء وتضر بمكانة المغرب، في حضور وفد رسمي من أعلى سلطة وأمام أنظار العالم. وهذا، في نظرنا، لا يمكن تفسيره فقط من داخل الملعب، بل ربما وجب البحث عن خيوطه خارج المستطيل الأخضر، لأنه موقف سياسي أكثر منه رياضي. فهل هو إشارة على اختلال الرهان على إفريقيا بشكله الحالي؟
ماذا بعد؟
تنظيم حدث كروي قاري أمر مشروع، لكنه في هذا السياق يولد أسئلة جوهرية أكثر مما يكشف عن إجابات؛ ما الجدوى من الاستثمار فيه مقابل الجحود الإفريقي المتنامي والإضرار المتعمد بصورة البلد وسمعته؟ أليس من الأجدر التوجه نحو تظاهرات أكثر إشعاعًا على المستوى الدولي؟ ألا يصب التوجه الحالي في مصلحة دول إفريقية بعينها مقابل تضرر مصالح المغرب على عدة مستويات: رياضية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية؟
نؤمن بالحلم الإفريقي، لكن على الجميع تحمل تكلفته والانخراط فيه قلبًا وقالبًا. لذلك وجب قراءة الحدث وفق رؤية متزنة وواقعية وعميقة لاستخلاص العبر وفهم أبعاده الخفية. وما أتينا على ذكره لا يخرج عن باب التحليل البسيط، غير أن المؤسسات الوطنية تملك من الخبرة والإمكانات ما يكفي لفك شفرته وصياغة مقاربة متقدمة تقوم على مراجعة السياسات المتبعة مع بلدان بعينها وإعادة تأطيريها بما لا يضر بمصالح المغرب على المستويين القاري والدولي ويحفظ للبلد وللمواطنين كرامتهم. إضافة إلى تقوية الاستثمار في الانسان المغربي لأنه المعني الأساسي بالدفاع عن الوطن.