عاش المغاربة، ومعهم جمهور كرة القدم العربي والإفريقي مشاعر متضاربة ومتناقضة في كثير من الأحيان: تراوحت بين الإشادة بمستوى التنظيم، والانتقادات الحادة لأجواء الكان (مدرب جنوب إفريقيا)، والاستياء من عدم تشجيع الجمهور المغربي لفريق عربي (مدرب المنتخب المصري)، أو التذمر من مكان الإقامة، رغم كونه فندقا من الخمس نجوم (مساعد مدرب المنتخب المصري)، كما تم انتقاد الفوضى التي رافقت استقبال الجمهور السنغالي لمنتخبهم في محطة القطار، رغم أنّ اتحادهم الكروي هو من أخطر الجمهور السنغالي بموعد ومكان وصول فريقهم إلى الرباط (وإن كان ذلك لا يعفي الجهات المنظمة من المسؤولية). وبعضهم حمّل المغرب مسؤولية إقصاء منتخبهم الذي بدا “عاجزا” أمام المنتخب النيجيري.
كل هذه الملاحظات تتعلق بنسخة تُصنّف هي الأفضل في تاريخ القارة، فهل أخطأ المغرب برفع سقف توقعات عرب إفريقيا و”أفارقة العرب” إلى مستوى لم يعهدوه من قبل؟ هل كان على المغرب (كما قال المدرب شيبا) تخصيص خمسة ملاعب متوسطة في طاقتها الاستيعابية في مساحة لا تتجاوز 300 كلم مربع حتى لا نُخرج الفرق الإفريقية من أجواء اعتادت عليها في البطولات السابقة.
من لديه دراية بسيطة بجمهور كرة القدم يعلم أن جمهور نادٍ رياض مثل الزمالك أو الرجاء البيضاوي مثلا لا يُناصرون غريما من البلد نفسه كالأهلي المصري بالنسبة لمصر أو الوداد البيضاوي بالنسبة للمغرب، في منافسات دوري أبطال إفريقيا، فهل يعني ذلك أن أبناء البلد الواحد يكنون الكراهية لبعضهم البعض؟ كان الأجدر بالمنتقدين أن يجيبوا عن سؤال جوهري: “لماذا لا يشجع جمهور نادي الزمالك نادي الأهلي في البطولات الإفريقية؟”، ولماذا لا يؤازر جمهور النصر السعودي شقيقه الهلال السعودي في البطولات الآسيوية؟
الإجابة ببساطة: لأنهم إخوة في الوطن، يدركون أنّ جمهور أحد الفريقين لن يسلم من سخرية الجمهور الآخر ومناكفاته كلما تحقق فوز أو لقب، وهو ما نعيشه في المغرب بين جمهور فريقي الرجاء والوداد اللذين يتقاسمان المدينة ذاتها، والأحياء نفسها، بل وقد يضمهما بيت واحد وأسرة واحدة، فهل يعني ذلك أنهم يكرهون بعضهم البعض؟
إنّ من يفهم سيكولوجية الجماهير يُدرك تماما أن جمهور الكرة في البرازيل لا يمكن أن يناصر فريق الأرجنتين، بل يتمنى خسارته في كل مناسبة، والشاهد على ذلك تشجيعهم بالأمس القريب لمنتخب المغرب للشباب في نهائي كأس العالم في تشيلي، كما لا يمكن لجمهور الأوروغواي أن يشجع فريق البرازيل، وهذا هو الحال في أمريكا اللاتينية، معقل كرة القدم ومنبع أساطيرها كميسي ومارادونا وبيليه، ورنالدو “الظاهرة”. فهذا هو منطق جمهور كرة القدم لمن لا يعرفه.
لماذا لا تشجع منتخبات شمال إفريقيا بعضها بعضا؟: لأنها ببساطة متنافسة فيما بينها، ولأنّ جمهور الفريق المنهزم يُدرك أنه لن يسلم من سخرية جماهير الفريق الآخر، فما أن تنتهي المباراة حتى تمتلئ منصات التواصل الاجتماعي ب”الترولات” الساخرة. فبما أننا نتكلم لغة واحدة، ونتقاسم حيزا جغرافيا واحدا، فإن صدى الهزيمة يكون مضاعفا، وسياط النقد تكون ألذع.
أما “الإخوة الأعداء” فحساباتهم مختلفة؛ هم يعلمون أن أي انتصار للمغرب، حتى ولو كان في بطولة الهوكي على الجليد، سيتحول، في منظورهم، إلى نصر جيوسياسي يُعزز من مكانة المغرب كمركز إفريقي للقوة الناعمة، ومن جاذبيته وإشعاعه الدولي، لذا، لا عتاب على أجيال نشأت على عقيدة العداء للمغرب، عسى الله أن يرأف بحالهم، ويجلي الغشاوة عن بصائرهم، وقد يحتاج ذلك إلى مسافة زمنية تفصلهم عن تاريخ استقلالهم بعشرات السنين.
هذا ما “CAN” !