منتدى العمق

الإقلاع الاقتصادي قراءة تحليلية في تقرير البنك الدولي ومضامين بلاغ الديوان الملكي (كان 2025)

شهدت المملكة المغربية منذ مطلع الألفية الثالثة دينامية إصلاحية شاملة، أثمرت طفرة ملموسة في البنيات التحتية وتوطيداً للمؤشرات الماكرو-اقتصادي؛ إلا أن طموح “الإقلاع الاقتصادي” واللحاق بركب الدول الصاعدة لا يزال يصطدم بمعيقات هيكلية تحد من تصاعد منحنى الإنتاجية. وفي هذا الإطار الاستراتيجي، يبرز تقرير البنك الدولي المعنون بـ “المغرب في أفق 2040: الاستثمار في الرأسمال اللامادي لتسريع الإقلاع الاقتصادي”[1] كوثيقة مرجعية تقدم قراءة استشرافية لمستقبل التنمية بالمملكة.

يرتكز التقرير في أطروحته المركزية على مفهوم “الرأسمال اللامادي” باعتباره المكون الجوهري لثروة الأمم الحديثة؛ وهو مفهوم يتجاوز الأصول المادية ليشمل تظافر ثلاثة أبعاد بنيوية: الرأسمال المؤسساتي الضامن لجودة الحكامة، الرأسمال البشري المُجسّد في تراكم المعارف والمهارات، والرأسمال الاجتماعي الذي يقيس درجة الثقة والتماسك المجتمعي. وتذهب الرؤية التحليلية للتقرير إلى أن هندسة الاستثمار في هذه الأصول غير الملموسة هي الرافعة الوحيدة الكفيلة برفع كفاءة الرأسمال المادي وتحقيق نمو شامل ومستدام.

وتكتمل معالم هذه الورقة التحليلية بإدراج قراءة فاحصة في مضامين بلاغ الديوان الملكي الصادر في أعقاب تنظيم المغرب لكأس أمم إفريقيا 2025؛ وهي القراءة التي تسعى إلى رصد أوجه التلاقي بين الرؤية الاستشرافية لتقرير “أفق 2040” والواقع الملموس. حيث سيتم تسليط الضوء على كيفية تجسيد هذا البلاغ لمفاهيم الرأسمال اللامادي من خلال استحضار النجاعة المؤسساتية في التنظيم، وتثمين الكفاءات البشرية الوطنية ومغاربة العالم، وتعزيز الرأسمال الاجتماعي عبر التلاحم الشعبي. كما ترصد هذه القراءة أبعاد القوة الناعمة للمملكة ووفائها لعمقها الإفريقي، مبرزةً كيف تحول الفعل الرياضي إلى مؤشر حقيقي لقياس الطفرة التنموية والنموذج المغربي المتفرد الذي يضع المواطن في صلب كل الطموحات.

تعتمد هذه الورقة منهجية تحليلية عمودية؛ تستهل مسارها بتشخيص المكتسبات المحققة، ثم تنتقل لتفكيك أبعاد الاستثمار في الرأسمال اللامادي، وصولاً إلى استعراض الآليات العملية الكفيلة بتغيير “قواعد اللعبة”. ومن ثم، تتبلور إشكالية الورقة المركزية في التساؤل التالي: إلى أي مدى يستطيع المغرب استثمار “نافذته الديموغرافية” ورأسماله اللامادي لتحويل مؤسساته وقدراته البشرية إلى ثروة مستدامة تحقق التقارب الاقتصادي المنشود بحلول عام 2040؟

المحور الأول: تشخيص الوضعية الراهنة: منجزات مغرب اليوم وتحدياته

ينطلق التقرير من قراءة نقدية لمسار التنمية بالمغرب منذ نهاية التسعينيات، مستعرضاً المكتسبات التي تحققت على مستوى البنيات التحتية، مع تسليط الضوء على “سقف النمو” الذي بدأت تصطدم به هذه المنجزات في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة. وقد تركزت عناصر هذه القراءة على الجوانب الثلاثة التالية:

مكتسبات العقدين الأخيرين: سجل المغرب تسارعاً ملحوظاً في معدلات النمو، أدى لمضاعفة نصيب الفرد من الناتج المحلي، والقضاء على الفقر المدقع، وتحسين الولوج للخدمات الأساسية.

المأزق التنموي للطبقة الوسطى: تشير البيانات إلى أن تكلفة المعيشة (السكن، التعليم، الصحة) تضغط بقوة على الأسر، حيث تُصنف 15% فقط من الأسر ضمن الطبقة الوسطى، مما يطرح تساؤلات حول استدامة النموذج الاجتماعي الحالي.

رؤية التقارب (أفق 2040): يطمح السيناريو الاستشرافي إلى وصول الناتج المحلي للفرد إلى 45% من مستواه في دول جنوب أوروبا، مستغلاً “النافذة الديموغرافية” قبل أن تبدأ نسبة الإعالة في الارتفاع مجدداً.

إن النموذج التنموي الحالي أضحى يواجه تحدي “الاندماج الاجتماعي”، مما يفرض ضرورة الانتقال من نمو مدفوع بالاستثمار المادي الصرف إلى نمو مدفوع بالإنتاجية والقيمة المضافة العالية.

المحور الثاني: الرأسمال المؤسساتي: إعادة صياغة “قواعد اللعبة”

يشكل الرأسمال المؤسساتي الحجر الزاوية في هذه الرؤية، حيث يتم فحص كفاءة الإدارة العمومية واستقلالية القضاء، بهدف الانتقال من مؤسسات “ضبطية” إلى مؤسسات “محفزة” تضمن سيادة القانون. وقد اقترح التقرير لتحقيق هذا الانتقال المقترحات الثلاثة التالية:

إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية: الدعوة لتحويل الإدارة من “إدارة رقابة” إلى “إدارة خدمة” تركز على النتائج والمساءلة والشفافية.

سيادة القانون وبيئة الأعمال: يؤكد التقرير على ضرورة الفصل التام بين المصالح العامة والخاصة لتعزيز الثقة في السوق وجذب الاستثمارات النوعية.

الانفتاح الاقتصادي: تعزيز مرونة سعر صرف الدرهم وخفض الحواجز الجمركية لرفع تنافسية الشركات المغربية دولياً.

خلاصة القول، لا يمكن تحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي دون إصلاح جذري للإدارة وتكريس مبدأ المساءلة؛ فالمؤسسات القوية هي الضامن الوحيد لتحويل المبادرات الفردية إلى ثروة جماعية.

المحور الثالث: الرأسمال البشري والاجتماعي: المحرك الجوهري للنمو

يتناول هذا المحور الإنسان المغربي كمحرك للنمو المستدام، من خلال تحليل واقع التعليم والصحة كدعامتين للرأسمال البشري، جنباً إلى جنب مع الرأسمال الاجتماعي (الثقة، التماسك، ومشاركة المرأة). ويتجلى هذا التناول في العناصر الثلاثة التالية:

أزمة جودة التعليم: يشدد التقرير على أن إصلاح التعليم يجب أن يركز على “جودة التعلمات” لا سيما في الطفولة المبكرة، لمواجهة ضعف المخرجات التي تثقل كاهل الأسر.
العدالة الصحية: تحسين جودة الخدمات العمومية وتوسيع التغطية الصحية لتقليل العبء المالي المباشر على المواطنين.

التمكين الاقتصادي للمرأة: يُعتبر التقرير أن المساواة بين الجنسين ضرورة اقتصادية قصوى؛ فرفع نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل يعد شرطاً أساسياً لرفع معدلات النمو القومي.
في الخلاصة، إن الاستثمار في الجودة في قطاعي التعليم والصحة، مع رفع القيود عن مشاركة المرأة، سيمكّن المغرب من استغلال طاقاته البشرية وتحويلها من عبء إلى قاطرة حقيقية للتنمية والإنتاجية.

المحور الرابع: الاقتصاد السياسي للتغيير (آليات الانتقال وتدبير الإصلاح)

بناءً على التقرير الاستراتيجي “المغرب في أفق 2040″، فإن المحور الرابع الذي يحمل عنوان “الاقتصاد السياسي للتغيير” يعد من أهم المحاور لأنه لا يناقش “ما يجب القيام به” بل “كيفية التنزيل الفعلي” وتجاوز العوائق التي حالت دون نجاح الإصلاحات السابقة. ينتقل التقرير هنا من “ماذا” يجب فعله إلى “كيفية” التنفيذ، باحثاً في العوائق التي تمنع الإصلاح، ومقترحاً آليات لتجاوز مقاومة التغيير. وتمثل هذا من خلال العناوين الخمسة التالية:

أولا: مفهوم “قواعد اللعبة (Rules of the Game) ”
يرى التقرير على هذا المستوى أن العائق الرئيسي أمام الإقلاع الاقتصادي ليس تقنياً، بل يكمن في “قواعد اللعبة” التي تحكم التفاعلات بين الفاعلين السياسيين والاقتصاديين. ويفصل التقرير في ضرورة الانتقال من نظام يقوم على “الامتيازات” (Privileges) إلى نظام يقوم على “الحقوق” (Rights)، حيث تكون المنافسة مفتوحة للجميع بناءً على الكفاءة والابتكار وليس على القرب من مراكز القرار.

ثانيا: تفكيك بنية مقاومة الإصلاح
يحلل هذا المحور ظاهرة “استعصاء الإصلاح” نتيجة وجود “جماعات مصالح” (Interest Groups) تستفيد من الوضع الراهن (الريع، الاحتكار، الحماية الجمركية). ويقترح التقرير استراتيجيات لتفتيت هذه المقاومة من خلال:
الشفافية المطلقة: نشر المعطيات المتعلقة بالصفقات العمومية والدعم والامتيازات الضريبية لتأليب الرأي العام ضد الممارسات الريعية.
بناء تحالفات من أجل التغيير: إشراك المستهلكين، والشركات الصغرى والمتوسطة، والشباب كقوة ضاغطة للمطالبة ببيئة اقتصادية تنافسية.

ثالثا: اعتماد “المقاربة التجريبية” في السياسات العمومية
بدلاً من الإصلاحات الشمولية التي قد تفشل وتكلف الكثير، يقترح التقرير منهجية “الابتكار والتعلم عبر الممارسة” والقائمة على الخطوات الثلاثة التالية : :
إطلاق مشاريع إصلاحية على نطاق ضيق (Pilot Projects) في قطاعات أو جهات معينة.
إخضاع هذه التجارب لتقييم علمي صارم ومستقل.
تعميم التجارب الناجحة فقط، مما يقلل من مخاطر الفشل السياسي والمالي.

رابعا: تفعيل “المساءلة” و”النتائج”
ينتقل التقرير إلى تفصيل إصلاح الوظيفة العمومية عبر:
التعاقد بناءً على الأداء: ربط الترقية والتعويضات بتحقيق نتائج ملموسة (مثلاً: جودة التعليم في مدرسة معينة، أو سرعة معالجة الملفات في إدارة ما).
استقلالية الهيئات الرقابية: منح صلاحيات حقيقية لمؤسسات مثل مجلس المنافسة والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، وجعل تقاريرها ملزمة وملكية عامة.

خامسا: الاقتصاد السياسي للانفتاح الدولي
يشدد التقرير على أن الانفتاح على التجارة الدولية ليس مجرد قرار اقتصادي، بل هو أداة “لفرض” التنافسية. فالشركات التي تواجه منافسة دولية تضطر للابتكار، وهذا يقلل من قدرة الشركات المحلية “المحمية” على فرض أسعار عالية أو تقديم جودة متدنية.

إن “الاقتصاد السياسي للتغيير” في رؤية 2040 يتطلب شجاعة مؤسساتية لإعادة توزيع القوة الاقتصادية. إن نجاح الانتقال لا يتوقف على صياغة القوانين، بل على قدرة الدولة على فرض احترامها على الجميع دون استثناء، وتحويل الإدارة المغربية من “أداة للضبط والرقابة” إلى “محرك للنمو” عبر خدمة المواطن والمقاولة بفعالية وشفافية.

المحور الخامس: القراءة التحليلية في بلاغ الديوان الملكي: “كان 2025” وتجليات النبوغ المغربي

لم يكن نجاح المغرب في تنظيم الدورة الـ 35 لكأس إفريقيا للأمم مجرد إنجاز رياضي عابر، بل قدم بلاغ الديوان الملكي قراءة سوسيوسياسية تكرس مفهوم “النبوغ المغربي” في أبهى تجلياته، محولاً مضامين تقرير “أفق 2040” من حيز التنظير إلى حيز التنزيل الميداني عبر المستويات التالية:

أولاً: العبقرية التنظيمية والنجاعة المؤسساتية
أبرز البلاغ أن هذا النجاح هو ثمرة “سياسة إرادية عالية الطموح”، وهو ما يعكس قدرة المؤسسات المغربية على التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. “النبوغ المغربي” تجلى هنا في القدرة على تدبير لوجستيك معقد (بنيات تحتية، أمن، نقل، وتواصل) بمعايير دولية، مما جعل “كان 2025” محطة لقياس “الطفرة النوعية” التي حققتها المملكة، وبرهاناً على أن الرأسمال المؤسساتي المغربي قد انتقل من “إدارة الضبط” إلى “إدارة الإنجاز العالمي”.

ثانياً: النبوغ في استثمار الرأسمال البشري (مغاربة العالم)
توقف البلاغ عند “الاختيار النابع من الروح الوطنية” لأبناء مغاربة العالم. هذا التفصيل يبرز ذكاء النموذج المغربي في الحفاظ على الروابط الوجدانية مع كفاءاته بالخارج وتعبئتها لخدمة الإشعاع الوطني. إن وصول المنتخب للمرتبة الثامنة عالمياً ليس صدفة رياضية، بل هو “نبوغ” في صهر المواهب العالمية داخل بوتقة الهوية الوطنية، مما يجسد أرقى صور استثمار الرأسمال البشري العابر للحدود.

ثالثاً: العقد الاجتماعي والتلاحم الشعبي
أشاد جلالة الملك بـ “ملايين المغاربة” الذين دعموا منتخبهم بشكل “نموذجي”. هنا يبرز النبوغ في تدبير الرأسمال الاجتماعي؛ حيث تحولت كرة القدم إلى أداة لتعزيز التماسك المجتمعي والافتخار الوطني. هذا “الفرح الشعبي” الذي ذكره البلاغ هو وقود التنمية الذي أشار إليه تقرير البنك الدولي، فالمجتمعات الواثقة بنفسها هي الأقدر على رفع تحديات الإقلاع الاقتصادي.

رابعاً: النبوغ الدبلوماسي والعمق الإفريقي
في تعاطيه مع “الأحداث المؤسفة” أو “محاولات النيل من المصداقية”، كشف البلاغ عن نبوغ في “إدارة الأزمات” بالترفع والرزانة. التأكيد على أن “روابط الأخوة الإفريقية ستنتصر” يعكس قوة ناعمة مغربية تدرك أن مصيرها مرتبط بقارتها. هذا الوفاء لروح “الإخوة والتضامن” هو ما يجعل من النموذج المغربي نموذجاً “متفرداً وفعالاً” قادراً على قيادة الشراكات الطموحة في القارة.

إن بلاغ الديوان الملكي يقدم “شهادة استحقاق” للنبوغ المغربي الذي استطاع في غضون شهر واحد أن يبرهن للعالم على نضج مؤسساته، وجودة رأسماله البشري، وقوة لحمته الاجتماعية؛ وهي العناصر الثلاثة التي تشكل جوهر “الرأسمال اللامادي” المطلوب لتحقيق قفزة 2040.

الخاتمة

خلاصة القول، يمثل تقرير “المغرب في أفق 2040” خارطة طريق طموحة تتجاوز الحلول التقنية الضيقة نحو إصلاحات بنيوية عميقة. إن الاستنتاج المحوري هو أن مستقبل المغرب لا يتوقف فقط على حجم الاستثمارات المادية، بل يرتكز بالأساس على جودة المؤسسات، وكفاءة الإدارة، وتجويد منظومة التربية والتكوين، وتعزيز منسوب الثقة والتماسك الاجتماعي.

إن بلوغ سيناريو “الإقلاع الاقتصادي” المنشود يتطلب “عقداً اجتماعياً” جديداً يضع العنصر البشري في قلب التنمية. وفي نهاية المطاف، يبقى نجاح هذه الرؤية رهيناً بمدى الإرادة السياسية في تنزيل مقتضيات دستور 2011، وقدرة الفاعلين على الابتكار في تدبير الشأن العام لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

وفي لفتة معبرة تجسد طموحات أفق 2040، يبرز تنظيم المغرب لكأس أمم إفريقيا 2025 كنموذج تطبيقي لما ورد في التقرير حول استثمار الرأسمال اللامادي؛ فالتنظيم المتميز لهذا الحدث القاري لم يكن مجرد استعراض للبنيات التحتية الرياضية، بل كان تجسيداً لـ ‘الرأسمال المؤسساتي’ من خلال التنسيق العالي بين مختلف المتدخلين، وتكريساً لـ ‘الرأسمال الاجتماعي’ عبر تعبئة الهوية الوطنية كقوة ناعمة تعزز إشعاع المملكة الدولي.

إن النجاح في تدبير تظاهرة بهذا الحجم يعكس قدرة المؤسسات المغربية على تغيير ‘قواعد اللعبة’ والانتقال نحو معايير الجودة العالمية، مما يثبت أن الاستثمار في الكفاءة البشرية والحكامة الجيدة —كما دعا التقرير— هو المفتاح الحقيقي لتحويل الطموحات الاستراتيجية إلى واقع ملموس يعزز ثقة الشركاء الدوليين ويُسرّع وثيرة الإقلاع الاقتصادي.”