تشكل الطاقة شريان الاقتصاد العالمي، وعاملا محوريا في التفاعلات الجيوسياسية، حيث يتقاطع البعد الاقتصادي بالأمني، وتتحول معه الموارد والتكنولوجيا إلى أدوات مباشرة للنفوذ بالنظام الدولي، الذي أصبح فيه جيوبولتيك الطاقة يحضى باهتمام كبير في أجندة القوى الكبرى كالولايات المتحدة الأمريكية والصين والاتحاد الأوروبي وروسيا، والذي تمحور لعقود طويلة حول الأمن الطاقي من خلال أمن الإمدادات، لينتقل إلى التركيز على التحكم المستقل بإنتاج الطاقة وتدفقاتها، والوصول إليها، ومع التنبؤ بانتهاء حقبة الطاقة التقليدية، دخلت القوى الكبرى في سباق نحو “تحول الطاقة”، بدأت تظهر معه ملامح تشكل الخارطة الجيوسياسية الجديدة للطاقة، فبعكس الطاقة التقليدية التي تتركز بمناطق محدودة، فإن الطاقة المتجددة تمتلكها معظم دول العالم مثل الطاقة الشمسية والريحية، والطاقة الكهرمائية، فهي موزعة على نطاق واسع وأكثر عدالة، وهو ما يقلّل من تمركز النفوذ الطاقي ويعيد توزيع مراكز القوة بين الدول، هذا التحول الجيوسياسي في مجال الطاقة، سيشكل فرصة مهمة لأكبر عدد من الدول لتقليص التبعية وتعزيز أمنها الطاقي، بما يمهد الطريق نحو تحقيق سيادة الدولة الطاقية سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.
إذن فالتوجه نحو الطاقات المتجددة سيغير قواعد التحالفات والصراعات من خلال محاولة السيطرة على التكنولوجيا وخطوط الإمداد، خاصة المرتبطة بالمعادن الحرجة كالكوبالت والليتيوم التي تدخل في صناعة الألواح الشمسية وشفرات الرياح والبطاريات، الشيء الذي سينعكس على مبادئ الأمن الطاقي، التي ستتركز على استقرار وتأمين سلاسل الإمداد الخاصة بالمعادن والتكنولوجيا، وسيرافق هذا التحول تشكل تحالفات إقليمية ودولية جديدة، تركز على التعاون في مجال التكنولوجيا والابتكار العلمي، والتنقيب عن المعادن النادرة، وهو ما تسعى إليه الصين اليوم من خلال السيطرة على معظم المعادن الضرورية للتكنولوجيا الجديدة، من خلال التحكم في صناعة الرقائق الإلكترونية واحتكار المعادن النادرة، مما سيغير من الصورة التقليدية التي سادت في عصر الطاقة الأحفورية.
أولا: الصراع الأمريكي–الصيني على الطاقة التقليدية
إن التنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين لم يعد مقتصرا على التجارة والتكنولوجيا والقوة العسكرية، بل امتد ليشمل التحكم في موارد الطاقة، ومن يمتلك القدرة على تحويلها إلى مصدر مستدام للقوة والنفوذ في النظام الدولي الجديد.
منذ أزمة حظر النفط العربي سنة 1973، بدأ رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية يعتبرون الحصول على النفط الخارجي قضية أمن قومي، وحماية مصادر الطاقة الخارجية مكونا من مكونات الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، ما دفع الرئيس جيمي كارتر (1977-1981)، ليعلن أن أي محاولة من القوى الخارجية للسيطرة على منطقة الخليج ستمثل تهديداً للمصلحة الأمريكية، ما يستدعي التدخل بقوة لحماية المصلحة الأمريكية وبالتالي حماية الدول الخليجية من أي تدخل خارجي.
واليوم تسعى الولايات المتحدة إلى استعمال الطاقة كورقة ضغط دبلوماسي وذلك لكبح جماح بعض القوى المنافسة كالصين وروسيا وإيران، وذلك بالتحكم في السوق الدولي من خلال التحكم في الأسعار ومنح الدعم لبعض الدول الأوروبية، للاستغناء عن الطاقة الروسية، ودعم بعض الدول كاليابان للحفاظ على توازن القوة بالقارة الآسيوية.
فحسب التقرير الاستراتيجي للأمن القومي لسنة 2025، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تضع الطاقة في قلب مشروعها لاستعادة التفوق الاقتصادي والصناعي، وتعزيز قدرتها على الردع، داخليا لإعادة التصنيع، ودعم الطبقة الوسطى، والحفاظ على التفوق التكنولوجي، خصوصًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية المستهلكة بشكل كبير للطاقة. وخارجيا بوصفها أداة نفوذ دولي، حيث يُعاد توظيف صادرات الطاقة الأمريكية لتعميق الشراكات مع الحلفاء، وتقليص اعتمادهم على الخصوم، ومنعهم من السيطرة على أسواق الطاقة أو استخدام الموارد كسلاح سياسي ولا سيما في أوروبا وآسيا.
يتضح من خلال ما سبق أن الولايات المتحدة الأمريكية تواصل نهج سياسة طاقية تقليدية لتعزيز هيمنتها على نظام الطاقة العالمي، من خلال السيطرة على المناطق الرئيسية المنتجة للنفط والغاز وعلى طرق الإمداد البحرية الرئيسية، وذلك لكبح نفوذ الصين بأسواق الطاقة، كما وقع مؤخرا بفنزويلا أحد المزودين الرئيسيين لخصوم الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تتوفر بدورها على مخزونات مهمة من المعادن، وتحاول كذلك تجديد قبضتها على منصة الطاقة في كل من الشرق الأوسط وبحر قزوين وشرق المتوسط وإفريقيا، إضافة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى اليوم للسيطرة على جزيرة غرينلاند، التي تشكل مفتاحا للسيطرة على القطب الشمالي، لموقعها الجيواستراتيجي بين القارتين الأوروبية والأميركية ولدورها العسكري في أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الجوي، ولما تمتلكه من موارد طبيعية مهمة كالمعادن الحرجة الضرورية للتحول الطاقي والصناعات المتطورة، إضافة إلى الممرات البحرية الجديدة، التي يمكن أن تعيد رسم خرائط التجارة العالمية، لمواجهة التمدد الصيني والروسي هناك.
بالمقابل تتبنى الصين استراتيجية هادئة كما جاء في كتاب فن الحرب لكاتبه سون تزو: “أعظم مهارة هي كسب الحرب دون قتال، الصين لا تطلق رصاصة، لكنها تخوض حرباً اقتصادية وتقنية ستحدد من يملك زمام الذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية في العقود المقبلة”. وهو ما تجسد بنجاح الصين في بناء آلة الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUVs)، لإنتاج رقائق أشباه الموصلات المتطورة التي تشغل الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية والأسلحة المتطورة، رغم القيود الغربية المفروضة عليها، والتي ظلت لسنوات محتكرة للرقائق الإلكترونية.
وعلى ضوء ذلك يمكن القول أن وقع مصادر الطاقة أصبح مرتبطا بالأمن القومي للكثير من دول العالم، ولم يعد مرتبطا فقط برجال الاقتصاد والشركات الطاقية المتعددة الجنسيات، بقدر ما أصبح ضمن الاهتمامات الرئيسة لصناع القرار والتخطيط وضمن الاستراتيجيات العسكرية، فالتنافس من أجل الحصول على حصة أكبر من الطاقة، يمكن أن يتسبب في أزمات كبرى خلال العقود القادمة، ويهدد باندلاع العديد من المواجهات العسكرية، خصوصا بين القوى النووية كالولايات المتحدة الأمريكية والصين.
ثانيا: صراع المعادن والتكنولوجيا الجديدة
أمام سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على الطاقة التقليدية من خلال الشركات البترولية الاحتكارية المتمركزة في إفريقيا ودول الشرق الأوسط، وزيادة الطلب الصيني على الطاقة، انتقل الصراع اليوم بين القوتين إلى نوع جديد من مصادر الطاقة المستعملة في صناعة التكنولوجيا الخاصة بالألواح الشمسية والبطاريات، وتكنولوجيا الطاقات الجديدة وهي المعادن الحرجة، كالكوبالت والليتيوم والتيليريوم، مع الهيمنة الواضحة للصين التي تسيطر على أهم مصادر المعادن النادرة المنتشرة على المستوى العالمي بحوالي %70، وتتربع اليوم على عرش التكنولوجيا الخاصة بالطاقات المتجددة.
فالابتكار التكنولوجي يعتبر عاملا حاسما في تسريع عملية التحول الطاقي من خلال تحسين كفاءتها، وخفض تكلفتها، وتحسين أدائها. ويعد التقدم في مجالات مثل تكنولوجيا الخلايا الشمسية، وتصميم توربينات الرياح، وأنظمة تخزين الطاقة، أمرًا بالغ الأهمية لجعل الطاقة المتجددة أكثر تنافسية مع الوقود الأحفوري.
وتحاول الصين اليوم السيطرة على التكنولوجيا الخاصة بالطاقات المتجددة، لتحقيق أمنها الطاقي ومواجهة ظاهرة الاحتباس الحراري من خلال خفض نسبة الطاقة الأحفورية، والسيطرة على سوق الطاقة النظيفة من خلال تصدير التكنولوجيا النظيفة، إذ إن الاستثمار في التقنيات والابتكارات الخضراء تمكن الدول من كسب ميزة تنافسية في اقتصاد الطاقة الجديدة، من خلال تطوير صناعات جديدة، وخلق فرص عمل جديدة، وتصدير التقنيات الخضراء إلى دول أخرى، وهذا من شأنه أن يعزز النمو الاقتصادي، والأمن الطاقي، و التنمية المستدامة.
فهناك منافسة قوية بين القوى الكبرى للسيطرة على التكنولوجيا الجديدة بين كل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، من خلال الاستثمار في صناعة كل ما يتعلق بالطاقات المتجددة، وكذلك الاستثمار في الدول النامية التي تتوفر على الإمكانات المهمة من مصادر الطاقة المتجددة، وهذا من شأنه أن يُسرّع وتيرة الابتكار التكنولوجي، ويجعل الطاقة المتجددة في متناول دول العالم.
ثالثا: مستقبل الصراع الجيوسياسي على الطاقة
في ظل زيادة الطلب على الطاقة بسبب النمو الديمغرافي والصناعي، وعدم استقرار وكفاية الإنتاج من المصادر المتجددة وصعوبة تخزينها، تبقى الطاقة الأحفورية والنووية خيارا لسد ذلك الخصاص، وتبقى تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية خير شاهد على ذلك، بعدما تخلت الدول الأوروبية عن التزاماتها البيئية، واتجهت لاستغلال الطاقة الأحفورية كمحطات الفحم، وإعادة تشغيل المفاعلات النووية، وذلك لحماية الاقتصاديات الأوروبية من الانهيار، والحفاظ على أمن الطاقة لتحقيق التوازن الجيوسياسي العالمي.
فالطاقة كما يقول الأستاذ لحسن حداد “لم تعد مسألة إنتاج وتوزيع وتحكم في الأسعار، بل أصبحت قضية جيوسياسية وجيوستراتيجية، فاختيارات الحاضر تحكم رهانات المستقبل بشكل كبير، وهذا المستقبل من الصعب التنبؤ به، لكن الدراسات المستقبلية وعلم المستقبليات والتحولات التكنولوجية والاقتصادية والجيوستراتيجية الحالية والمستقبلية تعطينا فكرة عن علم سياسة الطاقة المستقبلي الذي يجب التسلح به”، وذلك لمواجهة المخاطر التي يمكن أن تجر العالم إلى حرب تأتي على الأخضر واليابس.
على ضوء ما سبق يتضح أن العالم يشهد تسييسا للطاقة، التي لم يعد ينظر لها موردا اقتصاديا حيويا، يتعلق بالعرض والطلب، بل أداة استراتيجية في العلاقات الدولية، من خلال توظيفها في معادلات القوة والصراع بين القوى الكبرى، لا سيما الولايات المتحدة والصين وروسيا، والذي سيؤدي إلى مزيد من الاصطفافات وظهور مقاربة جديدة مرتبطة بالسيادة الطاقية، ستؤدي ضريبتها الدول المستوردة والنامية، فالتحول الطاقي لن ينهي ذلك الصراع والتنافس، بل سيؤدي إلى إعادة تشكيل واقع جيوسياسي جديد، يمكن للدول أن تمارس نفوذها فيه، كما جاء في تقرير “الوكالة الدولية للطاقة المتجددة”، سواء عن طريق تصدير الطاقة الخضراء أو التحكم في المواد الخام المستخدمة في الطاقة النظيفة، مثل الليثيوم والكوبالت، وكذلك اكتساب ميزة في التكنولوجيا، كصناعة بطاريات السيارات الكهربائية، إذ أن التكنولوجيا هي التي ستصبح في نهاية المطاف أكبر عامل تمايز.
تعليقات الزوار
مقال متميز