منتدى العمق

الذكاء الجماعي لمغاربة العالم: من تشخيصات مشروع ‘شركة’ إلى أفق المؤسسة المحمدية لعام 2024

من رصد المعيقات الهيكلية إلى بناء مسارات الإدماج الفعال

مقدمة: السياق والتحول الاستراتيجي

تندرج هذه القراءة في إطار التفاعل مع المنعطف التاريخي الذي عرفه تدبير ملف مغاربة العالم، والمتمثل في التوجيهات الملكية السامية بمناسبة الذكرى 49 للمسيرة الخضراء (6 نونبر 2024). لقد أعلن جلالة الملك عن إعادة هيكلة شاملة للمؤسسات المعنية بالجالية المغربية، تهدف إلى تجاوز التشتت المؤسساتي من خلال تجديد الإطار القانوني الخاص “مجلس الجالية المغربية بالخارج” كأداة للتفكير والاستشراف، و”المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج” كذراع تنفيذي لتجميع الصلاحيات وتعبئة الكفاءات.
في هذا السياق، تكتسي وثيقة مشروع “شركة” (Sharaka 2017) أهمية بالغة، كونها تقدم أرضية مفاهيمية وتشخيصية تدعم هذا التحول وتحدد آليات تفعيل “دبلوماسية الكفاءات” كرافعة للنموذج التنموي الجديد.

المحور الأول: الإطار المفاهيمي والخلاصات البنيوية للدراسة

يسعى هذا المحور إلى ضبط المرتكزات النظرية التي اعتمدتها الدراسة لتوصيف العلاقة الوظيفية بين الجالية المغربية ووطنها المغربي الأصل. ترتكز الدراسة على مفهوم “الشبكات” (Networks) كآلية محورية للتعبئة، متجاوزة المقاربات التقليدية التي تحصر علاقة المهاجر بوطنه في البعد العاطفي أو التحويلات المالية البسيطة. وتتلخص أهم خلاصاتها في:
ثلاثية التعبئة: حددت الدراسة ثلاثة مجالات حيوية للتداخل: (تعبئة الخبرات التقنية، تعبئة قوى التأثير في دول الإقامة، وتعبئة الادخار نحو الاستثمار المنتج).

تصنيف الشبكات: التمييز بين الشبكات الأولية (روابط الانتماء) والشبكات الوظيفية المهنية التي تشكل جسوراً لنقل المعرفة والتكنولوجيا. خلاصة: إن التعبئة في منظور الدراسة هي عملية مُمأسسة تتطلب وسائط رقمية وبشرية قادرة على تحويل “الرغبة في المساهمة” إلى “مشاريع ذات قيمة مضافة”.

إن الفكرة المحورية التي نخلص لها في هذا القسم من الدراسة هي أن “الشبكات” هي العمود الفقري لأي تعبئة ناجحة، وأن الانتقال من “الهجرة العفوية” إلى “التعبئة المنظمة” يتطلب فهماً دقيقاً للتمايز بين الخبرة التقنية، والقدرة التأثيرية، والقدرة التمويلية.

المحور الثاني: التحليل المنهجي للممارسات والرهانات (هندسة التعبئة)

ينتقل بنا التحليل في هذا المحور من رصد الأفكار العامة إلى تفكيك المنهجية الدقيقة التي اعتمدتها الدراسة في مقاربة ملف الكفاءات المغربية المهاجرة. ينصب التركيز هنا على صياغة “نموذج تشغيلي” متطور يضمن الربط الوظيفي والميكانيكي بين رصيد الخبرات في الخارج والاحتياجات الفعلية للاقتصاد الوطني، مع استحضار البعدين الرقمي والمؤسساتي كأدوات محورية للتنفيذ.

أولاً: “المقارنة الدولية” (Benchmarking) كأداة للمراجعة والتطوير

تعتبر المقارنة الدولية الأداة المنهجية الأكثر حيوية في وثيقة “شركة” (Sharaka)؛ فهي لم تكن مجرد سرد وصفي لتجارب الآخرين، بل عملية بحثية منظمة تهدف إلى قياس الممارسات الوطنية مقابل “أفضل الممارسات” (Best Practices) العالمية، لاستخلاص عوامل النجاح القابلة للتوطين في السياق المغربي. وقد ارتكزت هذه المقارنة على أبعاد استراتيجية شملت:
النماذج المرجعية: استلهمت الدراسة دروساً متباينة من نماذج دولية رائدة؛ كنموذج إيرلندا (Global Irish Network) في بناء شبكات التأثير، ونموذج المكسيك (برنامج 3×1) في التمويل التشاركي للمشاريع، إضافة إلى تجربتي تونس والسنغال في نقل الخبرات التقنية (برامج TOKTEN).

مستويات المقارنة: شمل التحليل أربعة مستويات بنيوية:
الحكامة: تحديد الجهات المسؤولة عن تدبير الملف (مركزية القرار مقابل تشتته).
الاستدامة المادية: فحص مصادر التمويل وضمان استمرارية البرامج.
الأدوات الرقمية: تقييم جودة المنصات التفاعلية وقدرتها على التحيين التلقائي للبيانات.
منظومة التحفيز: رصد الامتيازات والضمانات التي تقدمها الدول لجذب كفاءاتها.

ثانياً: جدلية العرض والطلب والرقمنة المؤسساتية

كشف التحليل المنهجي للفجوة بين الممارسات المغربية والنماذج الناجحة عن رهانين أساسيين:
جاهزية “النظام الوطني” (Local Ecosystem): تشير الدراسة إلى أن تعبئة الكفاءات ليست مجرد استقطاب للأفراد، بل هي رهينة بوجود بيئة وطنية مستعدة لاستيعاب تلك الخبرات، وهو ما يفسر تعثر تجارب سابقة (مثل FINCOME) كانت تفتقر للطرف المقابل الجاهز.

الرقمنة كرافعة للربط: التأكيد على دور المنصات الذكية في تقليص كلفة البحث عن الكفاءات وتسهيل “التزاوج الوظيفي” بين عرض الخبرة وطلب المؤسسات.

ثالثاً: القيمة المضافة في سياق “التحول المؤسساتي” (2024)

تكتسي هذه الخلاصات المنهجية أهمية مضاعفة في ظل القرارات الملكية لعام 2024؛ فقد أثبتت المقارنة الدولية أن سر النجاح يكمن في “وحدة القيادة المؤسساتية”. وبينما رصدت الدراسة في 2017 تشتت القوى بين متدخلين متعددين، جاء التوجه الملكي الجديد بإحداث “المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج” ليجسد تلك “المؤسسة التنفيذية الواحدة” التي أوصت بها النماذج الدولية الناجحة.

ينتهي بنا التحليل إلى أن نجاح تعبئة الكفاءات ليس رهيناً برغبة الجالية المغربية وحدها، بل بمدى جاهزية “الطرف المقابل” (الأطراف المؤسساتية في المغرب) وقدرتها على تحويل تلك الكفاءات إلى مشاريع ملموسة ضمن قطاعات استراتيجية محددة. إن “المقارنة الدولية” في الوثيقة لم تكن ترفاً أكاديمياً، بل كانت “مختبراً للسياسات” أثبت أن العائق لم يكن يوماً في ندرة الكفاءات، بل في غياب “هندسة مؤسساتية” مرنة، وهو ما يبرر راهنية والقيمة الاستراتيجية والتنموية لهذا الإصلاح الملكي الأخير.

المحور الثالث: القراءة النقدية (نقط القوة والضعف)

تتوخى هذه القراءة النقدية وضع محتويات الدراسة في ميزان التقييم الموضوعي، من خلال إبراز القيمة المضافة التي قدمتها على مستوى التشخيص والحلول، وفي المقابل رصد الثغرات أو الجوانب المسكوت عنها التي قد تعيق تنزيل مخرجاتها على أرض الواقع، خاصة في ظل التعقيدات الإدارية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، تهدف هذه الفقرة فحص صدقية الدراسة ومدى ملامستها للواقع المعقد لانتظارات الكفاءات المهاجرة.

نقط القوة: تميزت الوثيقة بواقعية نقدية في تقييم التجارب المغربية السابقة، كما قدمت توصيات تقنية دقيقة مبنية على نماذج دولية أثبتت نجاعتها (كالتجربة الأيرلندية والمكسيكية).
نقط الضعف: يؤخذ على الدراسة تركيزها المفرط على الجوانب “التقنو-إدارية” مع إغفال العوائق السوسيولوجية والنفسية، وكذا البيروقراطية التي تواجه الكفاءات عند العودة، بالإضافة إلى تركيزها على النخبة العليا وتهميش الكفاءات الشابة الصاعدة.

خلاصة: تظل الدراسة وثيقة تقنية رفيعة المستوى، لكن تنزيلها يتطلب إرادة سياسية لتبسيط المساطر وحماية حقوق الكفاءات المهاجرة داخل المنظومة الإدارية الوطنية.

المحور الرابع: آفاق التطوير في ظل التحول المؤسساتي (توصيات)

انطلاقاً من المكتسبات التي حققتها الدراسة، وفي انسجام تام مع التحول المؤسساتي الذي أعلن عنه جلالة الملك في خطاب 6 نونبر 2024، يقدم هذا المحور باقة من المقترحات التطويرية. تهدف هذه التوصيات إلى تحويل الأفكار النظرية للدراسة إلى آليات عمل تدعم الهيكل المؤسساتي الجديد وتضمن فعاليته.

بناءً على التشخيص السابق والتوجيهات الملكية لعام 2024، يمكن صياغة خارطة طريق لتطوير هذا الملف.
مأسسة “شباك وحيد للكفاءات”: تفعيل “المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج” لتكون المخاطب الوحيد، مما ينهي التشتت الذي رصدته الدراسة.

إطلاق “منصة وطنية للذكاء المشترك”: تتجاوز قواعد البيانات الجامدة إلى منصة ديناميكية تربط المشاريع الوطنية الكبرى (كالمونديال 2030، ومشاريع الطاقة) بخبراء الجالية بشكل آني.
تطوير “سندات الاستثمار للجالية”: ابتكار آليات مالية تتيح لمغاربة العالم المساهمة في تمويل الأوراش المهيكلة بضمانات مؤسساتية محفزة. خلاصة: التوصيات تهدف إلى الانتقال من “التعبئة الظرفية” إلى “الشراكة الاستراتيجية الدائمة” التي تجعل من الجالية جزءاً لا يتجزأ من بنية الدولة المغربية الحديثة.

إن التوصيات الختامية ترتكز على “وحدة القيادة” و”الرقمنة الشاملة”، مع التأكيد على أن التطور الحقيقي يكمن في الانتقال من منطق “البرامج الظرفية” إلى منطق “السياسة العمومية المستدامة” التي تجعل من مغاربة العالم جزءاً بنيوياً من المنظومة التنموية الوطنية.

خاتمة: نحو جيل جديد من التدبير المؤسساتي لقضايا الكفاءات المهاجرة

تخلص هذه القراءة التحليلية لوثيقة مشروع “شركة” إلى أن تعبئة الكفاءات المغربية بالخارج لم تعد ترفاً فكرياً أو خياراً ثانوياً، بل هي ضرورة بنيوية تفرضها رهانات النموذج التنموي الجديد. إن الانتقال من المقاربات “البرامجية” الضيقة إلى “المأسسة” الشاملة، كما نص على ذلك القرار الملكي التاريخي لـ 6 نونبر 2024، يفتح آفاقاً رحبة لتحويل الهجرة من استنزاف للعقول إلى رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني.

تتجلى أهمية هذا التحول المؤسساتي في خلق هيكل موحد ينهي تشتت المتدخلين ويمنح مغاربة العالم مخاطباً رسمياً قوياً قادراً على تحويل طموحاتهم إلى مشاريع ملموسة. وتكمن الآفاق الواعدة في قدرة هذا الهيكل الجديد على استثمار “دبلوماسية الكفاءات” لتعزيز إشعاع المغرب دولياً، وجذب الاستثمارات النوعية في قطاعات المستقبل كالذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة.

ومع ذلك، تظل هناك تحديات جسيمة تستوجب المعالجة؛ في مقدمتها القدرة على “الرقمنة الكاملة” للمساطر الإدارية، وتجاوز العقبات القانونية والبيروقراطية التي قد تحد من مرونة انخراط الخبراء المهاجرين. إن الرهان الحقيقي اليوم يتجاوز مجرد إحداث المؤسسات، إلى القدرة على خلق “بيئة ثقة” مستدامة تجعل من الكفاءة المغربية بالخارج شريكاً كاملاً في صناعة القرار التنموي، ومساهماً فاعلاً في بناء مغرب المستقبل.

لائحة المراجع

أولاً: الخطب الملكية السامية
جلالة الملك محمد السادس (2022). خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لثورة الملك والشعب (20 غشت 2022). الرباط، المملكة المغربية. (الخطاب المرجعي المحدد لأسس العلاقة بين مغاربة العالم والوطن).
جلالة الملك محمد السادس (2024). خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى التاسعة والأربعين للمسيرة الخضراء (6 نونبر 2024). الرباط، المملكة المغربية. (الخطاب المؤسس لإعادة هيكلة المؤسسات المعنية بمغاربة العالم).
ثانياً: المرجع الأساسي للوثيقة
Red Mangrove Development Advisors (R.M.D.A). (2017). Étude sur les pratiques de mobilisation des compétences issues de la diaspora : Rapport final. Projet Sharaka (Expertise France). Maroc. 78 pages.