وجهة نظر

من تحفيز الاستثمار إلى تقليص البطالة: ماذا نحتاج اليوم؟

في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة، ومع تفاقم معضلة البطالة، يصبح من الضروري الانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق البناء الاستراتيجي، عبر سياسات عمومية جريئة تجعل من الاستثمار رافعة حقيقية للتنمية، ومن الشباب قوةً منتِجة بدل أن يبقى طاقةً معطّلة. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى منظومة متكاملة لدعم المبادرة الاقتصادية، خاصة في المغرب حيث يشكل الشباب نسبة مهمة من الساكنة النشيطة.

أولى لبنات هذه المنظومة تتمثل في إحداث منصة وطنية للأفكار والمشاريع، تُعنى بجمع وتصنيف وتقديم أفكار المشاريع الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، واقتراح نماذج جاهزة أو قابلة للتنفيذ، مع دراسة جدواها الاقتصادية وربط أصحابها بالخبراء والأسواق. فالمطلوب هو فضاء لعرض المشاريع وتقييمها، وتوجيه حاملي الأفكار، وضمان استدامة المقاولات بدل الاكتفاء بمرافقة انطلاقتها.

وبموازاة ذلك، يبقى تسهيل إنشاء الشركات والتعاونيات مدخلًا أساسيًا لتحفيز روح المبادرة، وذلك عبر تبسيط المساطر الإدارية، وتقليص الكلفة، وتسريع آجال التسجيل، مع منح امتيازات ضريبية في السنوات الأولى. أما التعاونيات، فهي تشكل إطارًا مثاليًا للعمل الجماعي وتقاسم المخاطر، خصوصًا في مجالات الفلاحة، والصناعة التقليدية، والخدمات المحلية.

ومن الإجراءات العملية ذات الأثر المباشر، تمكين الشباب من مشاريع صغيرة أو شبه جاهزة (محلات، وحدات إنتاج، أكشاك خدمات…) بأثمنة رمزية، لمساعدتهم على الانطلاق على أسس صحيحة، بدل تركهم يواجهون السوق دون رأس مال أو تجربة. فهذا التوجه لا يخلق فقط فرص شغل فورية، بل يعزز الثقة في الذات، ويحوّل العاطلين إلى فاعلين اقتصاديين.

غير أن التمويل وحده لا يكفي، إذ يفشل عدد كبير من المشاريع بسبب غياب التأطير. لذلك، يجب إرساء منظومة مواكبة حقيقية قبل التمويل وبعده، تشمل دراسة الجدوى، وإعداد خطة العمل، والتسيير المالي، والتسويق، والتتبع الدوري للأداء. فالمواكبة المهنية تظل الضمانة الأساسية لنجاح أي مشروع.

كما يُعدّ توفير سلفات بدون فوائد بنكية، أو قروض حسنة موجهة حصريًا للمشاريع المنتِجة، إجراءً ذا أثر قوي، لأنه يخفف العبء عن الشباب في سنواتهم الأولى، ويجنبهم الوقوع في دوامة المديونية، ويمنحهم هامشًا للتنفس والنمو.
ولا يمكن الحديث عن ريادة الأعمال دون الاستثمار في الإنسان. فالشباب يحتاج إلى أدوات معرفية بقدر حاجته إلى التمويل. ومن هنا تبرز أهمية إدماج ثقافة المقاولة والاستثمار في التعليم والتكوين المهني، مع تنظيم دورات عملية حول إنشاء المقاولات، والتدبير المالي، والقانون التجاري، والعمل التعاوني، والابتكار الرقمي.

ولتعزيز هذه المنظومة، يمكن اعتماد إجراءات مكملة، من بينها: إحداث حاضنات أعمال في كل إقليم، وربط المشاريع الصغيرة بالصفقات العمومية المحلية، وتشجيع الاستثمار في القرى والمناطق الهشة، ودعم المشاريع الخضراء والرقمية، وتحفيز مغاربة العالم على الاستثمار في مبادرات شبابية، إلى جانب إحداث منصات وطنية لعرض أفكار المشاريع وربطها بالممولين.

إن محاربة البطالة لا تكون بالشعارات، بل بسياسات عملية تضع الشباب في قلب النموذج التنموي. فالاستثمار ليس امتيازًا لفئة معينة، بل حق جماعي يجب أن تتاح وسائله لكل من يملك فكرةً وإرادة. وعندما نوفر الأفكار، والتمويل، والتكوين، والمواكبة، والثقة، فإننا لا نخلق فقط مناصب شغل، بل نبني جيلًا منتجًا، ونرسخ اقتصادًا قائمًا على المبادرة والكرامة والعمل.