منير لكماني
منتدى العمق

غواية الظهور

يخطئ من يظن أن ما يجري على الشاشة مجرد لهو. نحن أمام ميزان مقلوب: يرتفع من يجيد شد الإنتباه، لا من يجيد إتقان المعنى. تتقدم التفاهة بوجه واثق، لأنها وجدت جمهورا يطعمها بعينه ووقته ثم يتظاهر بالإستغراب. يختلط الخاص بالعام حتى تذوب الحدود، وتتحول الكلمة إلى طعم، والبيت إلى خلفية، والسمعة إلى مادة قابلة للمضغ. عندئذ لا يعود السؤال عن صانع المحتوى وحده، بل عن مجتمع يسمح للصخب أن يصير معيارا، ثم يطلب من الوقار أن يثبت وجوده.

سلطة الشاشة

المشهد واضح لا يحتاج تزيينا: كاميرا تهتز، عبارات مبتذلة، ضحك مصطنع، ثم جمهور يركض خلف التفاهة كأنها رزق نازل. أخطر ما في الأمر ليس وجود محتوى خفيف، بل هيمنة الخفيف حتى يطرد الرصين. يتحول الذوق إلى مزاج لحظي، وتصبح الفضيحة خبزا يوميا، ويصير الوقار تهمة. هنا لا يعود السؤال: ماذا يعرضون؟ بل: ماذا صنعوا بنا ونحن نبتسم؟

مزاد الكرامة

الخصوصية ليست زينة جانبية، بل سور يحمي الكرامة. ومع ذلك ترى من يبيع سوره حجرا حجرا: يفتح غرفته، يفضح خلافه، ينشر ضعفه، ثم يطلب الإحترام. لا إحترام لمن يتعمد هدم ما يحفظه، ثم يلوم الناس على التحديق. حين تتحول الأسرة إلى مسرح، والعلاقة إلى مادة للتعليقات، والدمعة إلى إعلان، نكون أمام إمتهان صريح للستر. وما كان يفترض أن يبقى بين جدران الرحمة يصير سلعة في سوق لا يعرف الرحمة.

صحبة معروضة

يظن المتابع أنه يعرف صاحب الحساب، فيدافع عنه كأنه قريب، ويهاجم غيره كأنه عدو. إنها علاقة مقلوبة: قرب بلا مسؤولية، وصداقة بلا معرفة، وتأثير بلا ثمن. يبتلع الشاب هذا الوهم فيفقد ميزان المقارنة: يرى حياة مصقولة بالإنتقاء، فيحتقر يومه الطبيعي، ويستصغر جهده الصامت، ويستعجل ثمرة لم يزرعها. هذه ليست حرية، بل عبودية ناعمة لصورة لا تشبه الواقع.

تضليل ناعم

حين يتصدر غير المختصين مجالات النصيحة، يصبح الخطأ عادة. يقال للناس ما يشتهون لا ما ينفعهم، وتقدم التطمينات الزائفة بدل التحذير الصادق، ويختلط الخبر بالرأي حتى لا يعود المرء يميز بين حقيقة ومؤثرات. الأخطر أن هذا كله يمر في ثوب مرح، وكأن العبث لا عواقب له. لكنه يترك أثره: إدمان تصفح، تشتت، قلق، تدهور في الإنتباه، وتطبيع للفظ الجارح والسخرية والتنمر. ومن ينكر ذلك فليحاسب ساعات يومه قبل أن يحاسب غيره.

شرعنة الرداءة

لا يكفي أن نستاء ثم نواصل المتابعة. الإستياء الذي لا يترجم موقفا هو مشاركة في الجريمة. من يستهلك التفاهة يغذيها، ومن يعيد نشر الفضيحة يوسعها، ومن يضحك على إهانة إنسان يمرن قلبه على القسوة. ثم نأتي لنطالب باصلاح المشهد؟ أي إصلاح يرجى وجمهور واسع يكافئ الأسوأ ويعاقب الأفضل بالصمت؟

حزم لازم

المطلوب حزم يضبط ولا يظلم. أول القواعد شفافية لا مواربة: إعلان مدفوع يقال أنه مدفوع، بلا تلميح ولا تمويه. ثم حماية الصغار: لا إستعراض بوجوههم، ولا إتجار بضعفهم، ولا تحويل طفولتهم إلى محتوى. وبعدها حد قاطع للتشهير والإبتزاز وفضح المستور، لأن الكرامة ليست فرجة. كذلك من يوزع نصائح في الصحة والمال بلا علم يساءل، فإبتسامته لا تبرئ ضرره. ويبقى الأصل: تربية الذوق حتى يفهم الناس أن المتابعة إختيار، وأن النقرة أثر، وأن الكلمة أمانة.

تربية النظر

لا أحد معصوم من فتنة الشاشة، لكن البيت الذي يضبط عاداته يضبط مصيره. حين يتعلم الأبناء أن الصمت قوة، وأن الستر نعمة، وأن القيم لا تقاس بعدد المتابعين، تتراجع سطوة المؤثر مهما علا صوته. وحين يفهم الشاب أن النجاح لا يصنعه مقطع، بل يصنعه إتقان ومثابرة، يسقط السحر ويعود العقل إلى مكانه.

حدود الوقار

من الذي روض الوقاحة حتى صارت إعتيادا؟ ومن الذي سلم التفاهة مقود التوجيه ثم إدعى البراءة؟ ولماذا نطارد ما يهيننا، ثم نطلب من أرواحنا أن تتعافى؟ أي كرامة تبقى إذا تحولت الحياة إلى عرض، والبيت إلى خشبة، والذوق إلى رهينة لخوارزمية عمياء لا تعرف الأسماء ولا تعبأ بالقلوب؟ هذه ليست إستفهامات للزينة، بل مرافعة صريحة تضعنا أمام خيارين لا ثالث لهما: وعي يوقف السقوط ويستعيد الحدود، أو إستسلام يوسع الباب حتى يدخل كل شيء بلا إستئذان.