تُشكل اتفاقية الشراكة المبرمة بين مجلس الجالية المغربية بالخارج (CCME) ولجنة الحق في الحصول على المعلومات (PCDAI) منعطفاً جوهرياً في مسار مأسسة العلاقة بين الإدارة والمواطن المهاجر. فهي لا تعدو كونها مجرد إجراء تقني، بل هي ترجمة ميدانية لإرادة الدولة في الانتقال نحو “الحكامة المنفتحة”، ووضع المعلومة في قلب صناعة القرار الاستراتيجي. وتكتسي هذه الخطوة صبغة استشرافية لكونها تتزامن مع دينامية التحول الهيكلي العميق للمؤسسات المعنية بمغاربة العالم، تماشياً مع الرؤية الملكية السامية الداعية إلى عصرنة أساليب تدبير قضايا الجالية.
تعتمد هذه الورقة منهجية تحليلية مقاربة، تسعى لتفكيك أبعاد هذا التحول من خلال أربعة محاور متكاملة: المحور الأول، الهوية المؤسساتية في ظل التغيير؛ ويُعنى بتعريف المجلس وتحديد موقعه الاستراتيجي كـ “مؤسسة مرجعية” ضمن البنية الهيكلية الجديدة، تتجاوز الأدوار الاستشارية التقليدية. المحور الثاني: البوابة الوطنية كضمانة دستورية؛ ويحلل أبعاد الانضمام لـ PNDAI كآلية إجرائية ملزمة لنقل الحق في المعلومة من النص القانوني (قانون 31.13) إلى الممارسة اليومية. المحور الثالث: رهانات “النشر الاستباقي”؛ ويركز على التزام المجلس بتقديم المعلومة تلقائياً كمدخل لبناء “المؤسسة المواطنة” التي تعتمد الشفافية النشطة لردم الفجوة المعلوماتية. ثم المحور الرابع: الأثر التمكيني لمغاربة العالم؛ ويستشرف كيف تتحول المعلومة إلى أداة لتعزيز القوة الترافعية والمشاركة الاقتصادية والسياسية للجالية في مسار التنمية الوطنية.
إن هذه القراءة التحليلية لا تكتفي في طموحها برصد هذا الحدث والخطوة الهامة، بل تسعى للإجابة عن سؤال محوري: كيف يساهم تدفق المعلومة في بناء “عقد ثقة” جديد يواكب تطلعات مغاربة العالم نحو مؤسسات قوية وشفافة؟
المحور الأول: الهوية المؤسساتية في ظل الهندسة المتجددة: من الاستشارة إلى المرجعية الاستراتيجية
إن إدراك الأبعاد الاستراتيجية لخطوة الانضمام للبوابة الوطنية يستوجب، بالضرورة، تفكيك الطبيعة الوظيفية لمجلس الجالية المغربية بالخارج وتحديد تموقعه الدقيق في صلب “الهندسة المؤسساتية المتجددة”. وهي هندسة تتوخى تجاوز التغيير الشكلي نحو عقلنة التدبير وتجميع المشتت لضمان التقائية السياسات العمومية وتجويد الأداء المؤسساتي.
ومن هذا المنطلق، يبرز المجلس كـ “حجر زاوية” في دينامية هيكلية تضع الفعالية في صدارة أولوياتها، حيث لم يعد الانضمام للبوابة الوطنية مجرد إجراء إداري، بل هو تجسيد لآلية “التجميع المعرفي” التي تخدم غايات الحكامة المنفتحة، بما يضمن عصرنة العلاقة مع الجالية المغربية وتحويلها إلى شراكة مؤسساتية متينة قوامها الوضوح واليقين القانوني.
وفي سياق تنزيل هذه الرؤية الاستراتيجية، يمكن رصد تجليات هذا التحول المؤسساتي من خلال المرتكزين البنيويين التاليين:
- التعريف والوضعية: مجلس الجالية المغربية بالخارج هو مؤسسة دستورية واستشارية (أُحدثت بظهير في 2007 وتم دسترتها في دستور 2011 فصله 163). يتولى مهمة إبداء الآراء حول السياسات العمومية التي تضمن حقوق مغاربة العالم وتعزز مساهمتهم في التنمية.
- في سياق التحول الهيكلي: يمر المجلس حالياً بمرحلة انتقالية نحو هيكلة مؤسساتية جديدة تهدف إلى الفصل بين الأدوار الاستراتيجية (التخطيط والتقييم) والأدوار التنفيذية. ويعد انضمامه للبوابة الوطنية بمثابة إعلان عن جاهزيته ليكون “المختبر الفكري والرقابي” الذي يمد الدولة والمواطنين بالمعطيات الدقيقة والشفافة.
في سياق التحول الهيكلي الذي دعا إليه جلالة الملك محمد السادس في الخطاب الملكي ل 6 نونبر 2024، ينتقل المجلس بهذه الخطوة من وضعيته الاستشارية الكلاسيكية المحدودة إلى دور “المؤسسة المرجعية” التي تشكل “مركز للخبرة” ومرصداً وطنياً لقضايا الهجرة. وارتقاء بهذه المؤسسة إلى وضعية ‘القطب المعرفي الاستراتيجي’؛ حيث يتجاوز الأدوار التقليدية ليصبح ‘مركزاً للذكاء الاستراتيجي’، يُعنى بإنتاج المعرفة العلمية الرصينة وتوجيهها لدعم صناعة القرار السيادي في قضايا الهجرة بناءً على معطيات دقيقة وموثوقة.”
هذا الانتقال يفرض على صانع القرار العمومي المغربي وفي القلب منه المشرع عند تجديد الإطار القانوني للمجلس إعادة تعريف المهام المنوطة به وتمكينه كباقي المجالس الاستشارية من حق المبادرة الذاتية؛ والانتقال بعضويته من عضوية شبه بروتوكلية إلى عضوية مهام وأدوار؛ فالهيكلة الجديدة وفق الطموح الملكي السامي الواضح والصريح، تهدف إلى خلق قطب مؤسساتي متكامل يجمع بين الرؤية الاستشرافية والقدرة على مواكبة الكفاءات المغربية بالخارج.
إن وضع المعلومات الدقيقة والشفافة رهن إشارة العموم عبر بوابة (PNDAI) هو ما يمنح المجلس “شرعيته المعرفية” في الهندسة الجديدة، حيث تصبح التقارير والدراسات التي ينتجها هي المرجع الأساسي الذي تُبنى عليه قرارات الدولة وتوجهات القطاعات الوزارية المعنية بالجالية.
تأسيساً على ذلك، لم يعد المجلس مجرد هيئة لإبداء الرأي، بل أضحى بهذه الخطوة، قاطرة للتحول المؤسساتي التي تضع “حكامة المعطيات” في قلب صناعة القرار. إن هذا التحول من “الاستشارة التقليدية” إلى “المرجعية الاستراتيجية” إلى جانب الذراع التنفيذي للمؤسسة المحمدية المرتقب الإعلان عن ميلادها قريبا إن شاء الله، هو الضامن الوحيد لانتقال ملف الجالية المغربية بالخارج من حيز التدبير الإداري إلى أفق الإبداع المؤسساتي الذي يستجيب لتطلعات مغاربة العالم في مغرب القرن الواحد والعشرين.
وإذا كانت هذه الهوية المتجددة تمنح المجلس بُعداً استراتيجياً، فإن تفعيلها ميدانياً يمر حتماً عبر بوابة PNDAI)) كآلية لترجمة الحقوق الدستورية.
المحور الثاني: الانضمام للبوابة الوطنية (PNDAI) كأداة للتنزيل الدستوري
وفي هذا المسار التحولي، يتجاوز الانضمام للبوابة الوطنية مجرد كونه إجراءً تقنياً يهدف إلى رقمنة المساطر، ليصبح آلية سيادية لتفعيل الحقوق الدستورية التي أقرها القانون رقم 31.13. فهذا الانتقال الرقمي يمثل في جوهره الترجمة العملية للمحور الأول المتعلق بـإعادة تموقع المجلس كمؤسسة مرجعية؛ إذ لا يمكن الحديث عن مرجعية مؤسساتية دون قناة تواصلية شفافة تضمن انسيابية المعلومة.
ومن هنا، تبرز أهمية هذه الآلية كقنطرة عبور نحو المحاور الموالية، حيث تشكل الأرضية القانونية التي يقوم عليها رهان النشر الاستباقي، والمدخل الأساسي لتمكين مغاربة العالم من أدوات الترافع والمشاركة بناءً على معطيات موثوقة، مما يجعل من الحق في الحصول على المعلومات حجر الزاوية في بناء الهوية الجديدة للمجلس ضمن الهندسة المؤسساتية المرتقبة.
يتجاوز هذا الانضمام للبوابة الجانب التقني ليصبح آلية لتفعيل الحقوق الدستورية التي نص عليها قانون 31.13. وذلك من خلال التجليات التالية: مأسسة الحق في المعلومة: من خلال هذه المنصة، يصبح الوصول لمعطيات المجلس حقاً وليس امتيازاً. سيتمكن مغاربة العالم من طلب الدراسات، الإحصائيات، والميزانيات المرصودة لمشاريعهم عبر مسار رقمي موحد. آليات المعالجة والشكايات: توفر البوابة نظام تتبع دقيق يلزم المجلس بالرد في آجال محددة (15 يوماً قابلة للتمديد)، مما ينهي عهد “البيروقراطية الصامتة” ويعوضها بـ “الإدارة المتفاعلة.
لم يعد الرد على طلبات المعلومات داخل المجلس مع خطوة الانضمام خاضعاً لتقديرات إدارية مرنة، بل أصبح محكوماً بـ “هندسة إجرائية” دقيقة توفرها البوابة الوطنية (PNDAI)، وهي الآلية التي تنهي تماماً عهد “البيروقراطية الصامتة”. وبموجب الاتفاقية المبرمة، التزم المجلس بحزمة من الإجراءات والتدابير لضمان تفعيل هذا المسار:
- تحديد المسؤوليات (تعيين نقط الارتكاز): التزم المجلس بتعيين وتدريب أطر متخصصة ومكلفة (نقط ارتكاز) تناط بهم حصرياً مهمة معالجة الطلبات، مما يضمن وجود “مخاطب معلوم” لكل طلب معلومة، ويقطع مع تشتت المسؤوليات.
- الانضباط للجدولة الزمنية الصارمة: تفرض البوابة نظام تتبع تقني يلزم المجلس بالرد داخل أجل 15 يوماً، مع إمكانية التمديد لـ 15 يوماً إضافية في الحالات المعقدة، وهو التزام تقني لا يمكن تجاوزه، حيث ترصد البوابة أي تأخير بشكل آلي.
- رقمنة مسار الشكاية: في حالة عدم الرد أو الرفض غير المعلل، تتيح الاتفاقية للمرتفق (من مغاربة العالم) سلوك مسطرة الشكاية إلكترونياً عبر البوابة مباشرة؛ وهو إجراء يلزم المجلس بإعادة فحص الطلب تحت رقابة “لجنة الحق في الحصول على المعلومات”، مما يعزز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
- التعليل الإلزامي: التزم المجلس، في حال تعذر تقديم المعلومة (وفق الاستثناءات القانونية)، بتقديم تعليل مكتوب ومؤسس قانوناً، مما يحول “الرفض” من فعل سلطوي إلى “قرار إداري” قابل للمراجعة والطعن.
تأسيساً على ما سبق، لا تُمثل البوابة الوطنية مجرد واجهة رقمية، بل هي الضمانة الإجرائية والمؤسساتية التي تنقل شعار ‘الشفافية’ من حيز الخطاب النظري إلى ممارسة واقعية ومسؤولة؛ فهي تضع أداء المجلس تحت مجهر ‘المراقبة القانونية’ والمحاسبة المواطنة، مما يحول ‘الحق في المعلومة’ إلى ميثاق ثقة ملزم، يضمن للجالية المغربية بالخارج تفاعلاً مؤسساتياً مبنياً على الوضوح، اليقين القانوني، والقطع مع ضبابية التدبير.
وإذا كان الانضباط لمساطر البوابة الوطنية يضمن الحق في المعلومة ‘عند الطلب’، فإن طموح المجلس يجب أن يمتد نحو مأسسة ‘النشر الاستباقي’ كخيار إرادي يتجاوز الالتزام القانوني الصرف.
المحور الثالث: “النشر الاستباقي” ورهان الحكامة المنفتحة
ينصب التركيز في هذا المحور على مفهوم ‘النشر الاستباقي’ باعتباره التزاماً مؤسساتياً طوعياً يسبق الطلب المواطن، ويُعد في العرف الحقوقي أرقى مستويات الشفافية المؤسساتية وأكثرها نضجاً. إن انتقال المجلس نحو تقديم المعلومة تلقائياً يعني عملياً وضع الدراسات السوسيولوجية، التقارير الميزانياتية، وقواعد البيانات المفتوحة (Open Data) في متناول العموم عبر المنصات الرقمية؛ وهي خطوة تهدف إلى ‘دمقرطة الولوج إلى المعرفة الهجروية’.
وبذلك، لا يعود النشر مجرد استجابة لالتزام قانوني، بل يتحول إلى استراتيجية استباقية لتبديد الضبابية المعلوماتية، وتوفير مادة علمية وتقنية جاهزة تدعم صناع القرار والباحثين وفاعلي المجتمع المدني بالخارج، مما يعزز من كفاءة المنظومة المؤسساتية الجديدة ويقلص المسافة بين الإدارة والمهاجر. وفي أفق تحويل الشفافية إلى ممارسة بنيوية، ترتكز استراتيجية النشر لدى المجلس على مستويين متكاملين:
- المعطيات العمومية المفتوحة (Open Data): يلتزم المجلس بنشر تقاريره الدورية ودراساته السوسيولوجية حول الهجرة بشكل استباقي. هذا المنحى يخدم الباحثين الأكاديميين (مثل أصحاب بحوث الماستر والدكتوراه) والفاعلين الاقتصاديين من مغاربة العالم.
- تعزيز الثقة الرقمية: عبر تخصيص موظفين مكلفين وتكوينهم من طرف لجنة CDAI، يضمن المجلس جودة المعلومة وموثوقيتها، مما يقلل من الشائعات ويزيد من منسوب الارتباط المؤسساتي للجالية بوطنها.
ختاماً لهذا المحور، يبرز النشر الاستباقي كحجر زاوية والمدخل الأساسي لبلورة مفهوم ‘المؤسسة المواطنة’؛ تلك المؤسسة التي تتجاوز أدوارها التقليدية لتتبنى استراتيجية ‘المكاشفة التلقائية’ كخيار سيادي يواكب الطموحات الرقمية لمغاربة العالم، عبر توفير ‘المعلومة اللحظية’ التي تتخطى العوائق الجغرافية والزمنية. وبذلك، لا يعدو النشر الاستباقي والمعالجة الرقمية الرصينة أن يكونا مجرد التزام مسطري، بل هما تجسيد لانتقال المجلس إلى دور ‘الشريك المعرفي الدائم’ الكفيل بصناعة ‘اليقين المؤسساتي’ وتبديد الضبابية المعلوماتية.
إن هذا التدفق المعلوماتي الممنهج هو ما يؤسس لانتقال جوهري في دور الجالية من مرتبة ‘المتلقي’ إلى مرتبة ‘الشريك الفاعل’؛ حيث تتحول المعلومة الموثوقة بين أيديهم إلى آلية للتمكين الحقوقي وسلطة معرفية تمنحهم المشروعية الكاملة لممارسة أدوارهم الترافعية والمشاركة الواعية في النقاش الوطني. وبناءً عليه، تصبح الشفافية الرقمية جسراً لترسيخ قيم المواطنة والمشاركة، وهو ما يقودنا مباشرة لتسليط الضوء على الأبعاد التطبيقية لهذا الأثر التمكيني في المحور الموالي.”
المحور الرابع: أبعاد الشراكة في دعم الأدوار المنتظرة لمغاربة العالم
ينبني هذا المحور على رؤية استشرافية ترى أن أثر هذه الاتفاقية لا يتوقف عند حدود الالتزام الإداري، بل يمتد ليعيد صياغة علاقة الفرد والمجتمع في ديار المهجر بوطنه الأم عبر قنوات حقوقية مبتكرة. فمن خلال تيسير الوصول إلى المعلومة، يتم تمكين مغاربة العالم من ‘سلطة المعرفة’، وهي الأداة الأساسية التي تمنحهم القدرة على الترافع الفعال والمشاركة المواطنة الواعية.
إن توفر المعطيات الدقيقة والموثوقة يحول الفاعل الجمعوي أو الكفاءة المغربية بالخارج من ‘متلقٍ’ للسياسات العمومية إلى ‘شريك في تقييمها وتجويدها’؛ وبذلك تصبح الشفافية جسراً رقمياً يردم فجوة المسافات، ويمنح الجالية المغربية الأحقية والمشروعية في المساهمة في النقاش الوطني بناءً على حقائق صلبة، مما يعزز دورهم كقوة اقتراحية فاعلة في المسار التنموي للمملكة المغربية.
لا تُعد الشفافية الرقمية وفق هذا السياق مجرد غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة تمكينية تهدف إلى نقل مغاربة العالم من “وضعية التلقي” إلى “وضعية المساهمة الفاعلة” في أوراش التنمية، ويتجلى ذلك في مستويين أساسيين:
- المعلومة كدعامة للمشاركة المواطنة والتنمية: تتأسس المساهمة الفعلية للجالية في التنمية الوطنية على شرط جوهري وهو “الوصول السهل للمعلومة الدقيقة”. فلا يمكن الحديث عن تعبئة الاستثمارات أو استقطاب الكفاءات دون توفير أرضية معلوماتية صلبة ومحينة حول الفرص المتاحة، المساطر القانونية، والمؤشرات السوسيو-اقتصادية. إن انضمام المجلس للبوابة الوطنية يوفر هذا “الضمان المعرفي”، مما يحول الطموحات التنموية لمغاربة العالم من مجرد نوايا إلى مشاريع مؤسسة على معطيات واقعية، ويجعل من المؤسسة جسراً حقيقياً يربط الكفاءات المهاجرة بمسار التنمية في المملكة.
- التكوين والتحسيس: بناء “القوة الترافعية” للجالية: من خلال اللجنة المشتركة المنصوص عليها في اتفاقية الشراكة، ينخرط المجلس في ورش تكويني وتحسيسي واسع النطاق يستهدف نسيج جمعيات المجتمع المدني بالخارج. ولا يقتصر هذا الورش على الجانب التقني، بل يهدف إلى إرساء ثقافة “الحق في المعلومة” كآلية ديمقراطية؛ فعندما يمتلك الفاعل الجمعوي في الخارج معلومة موثوقة ومسنودة بالأرقام والدراسات، ترتقي جودة ترافعـه في المحافل الدولية وقضايا الهجرة من مستوى “الخطاب العاطفي” إلى مستوى “الترافع العلمي والتقني”. وبذلك، تساهم اللجنة في خلق “نخبة ترافعية” والقادرة على الدفاع عن المصالح العليا للمملكة بوعي قانوني ومعرفي رصين.
في المحصلة، يبرز تمكين الجالية المغربية من المعلومة كمدخل لا محيد عنه لاستكمال تفعيل المواطنة الدستورية الشاملة؛ إذ لا يمكن ممارسة الحقوق السياسية، أو الانخراط في الدينامية الاقتصادية، أو الاستفادة من الحماية الاجتماعية التي كفلها الدستور، دون أرضية معلوماتية شفافة وميسرة. إن هذه الاتفاقية تحول ‘الحق في المعلومة’ من حق قطاعي معزول إلى ‘حق مفتاحي’ يفتح الأبواب أمام مغاربة العالم لممارسة أدوارهم كفاعلين استراتيجيين في مغرب الغد، ويضمن انتقالهم من وضعية ‘الارتباط العاطفي’ بالوطن إلى وضعية ‘المساهمة الهيكلية والواعية’ في مشروعه التنموي الكبير.
الخاتمة العامة: نحو أفق مؤسساتي متجدد
إن انضمام مجلس الجالية المغربية بالخارج للبوابة الوطنية للحق في الحصول على المعلومات ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل هو تمرين ديمقراطي رفيع يعكس إرادة الدولة المغربية الصادقة في القطع مع أساليب التدبير التقليدية المتسمة بالانغلاق، والعبور نحو ثقافة “المكاشفة المؤسساتية”. وفي ظل الدينامية المتسارعة للهيكلة الجديدة المرتقبة، تبرز هذه الخطوة كشرط بنيوي ولازم لنجاح أي تحول هيكلي؛ إذ لا يمكن استشراف مؤسسات قوية، فاعلة، وقريبة من وجدان وانتظارات مغاربة العالم، ما لم يكن نظام الشفافية هو ناظمها الأساسي ومحركها الجوهري.
إنها خطوة تؤسس لـ “عقد ثقة” متجدد بين الوطن وأبنائه في المهجر، عقدٌ محوره الوضوح وقيمته المضافة هي الخبرة، وهدفه الأسمى هو الخدمة الفضلى لمغاربة العالم وتثمين إسهاماتهم. ومع نضج هذه التجربة المعلوماتية، يظل السؤال الجوهري المطروح: إلى أي حد ستشكل هذه الطفرة في الحكامة الرقمية والشفافية المؤسساتية حجر الزاوية في بناء الهيكلة الجديدة المعنية بمغاربة العالم، والتي تترقبها الجالية المغربية بشوق وتطلع كبيرين، وفق الطموح والرؤية الملكية الحكيمة، ليكون هذا التحول المنشود عميم الخير والفضل على المغرب ومواطنيه قاطبة، بالداخل والخارج على حد سواء؟
مراجع القراءة التحليلية
أولاً: المراجع الدستورية والقانونية
- دستور المملكة المغربية (2011): لا سيما الفصل 27 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، والفصول المتعلقة بمغاربة العالم (16، 17، 18، 163).
- الخطاب الملكي السامي (20 غشت 2022): بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، الذي وضع خارطة طريق لإعادة هيكلة المؤسسات المعنية بالجالية وتحديث طرق تدبير قضاياها.
- الخطاب الملكي السامي (6 نونبر 2024): بمناسبة الذكرى التاسعة والأربعين للمسيرة الخضراء؛ وهو الخطاب الذي أعلن فيه جلالة الملك عن إعادة هيكلة المؤسسات المعنية بالمغاربة المقيمين بالخارج، وتحديداً من خلال إرساء مجلس الجالية المغربية بالخارج كـ “مؤسسة دستورية مرجعية”، وإحداث “المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج” لتجميع الصلاحيات وتجويد الأداء.
- القانون رقم 31.13: المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.18.15 بتاريخ 22 فبراير 2018.
- الظهير الشريف رقم 1.07.208: المحدث لمجلس الجالية المغربية بالخارج (21 دجنبر 2007).
ثانياً: الوثائق المرجعية والاتفاقيات
- اتفاقية الشراكة والتعاون: المبرمة بين مجلس الجالية المغربية بالخارج (CCME) ولجنة الحق في الحصول على المعلومات (CDAI) حول انضمام المجلس للبوابة الوطنية (PNDAI)
ثالثاً: التقارير والمنصات الرقمية
- البوابة الوطنية للحصول على المعلومات (www.itman.ma): كمرجع إجرائي وتقني لآليات المعالجة والنشر الاستباقي.
- الموقع الرسمي لمجلس الجالية المغربية بالخارج (www.ccme.org.ma): المصدر الأساسي للتقارير الدورية، الدراسات السوسيولوجية، والبيانات الرسمية للمجلس.
- التقارير السنوية والدراسات السوسيولوجية: الصادرة عن مجلس الجالية المغربية بالخارج (باعتبارها المادة العلمية المستهدفة بالنشر الاستباقي).
- دليل لجنة الحق في الحصول على المعلومات (CDAI): المتعلق بمعايير النشر الاستباقي ومساطر معالجة الشكايات.