وجهة نظر

‌ حاضرون بلا أثر: لماذا يُسمح لبرلمانيين لم ينجزوا شيئاً بالترشح من جديد؟

المشهد لم يعد يحتمل التجميل: هناك برلمانيون يحضرون الجلسات حضوراً جسدياً فقط، يجلسون تحت القبة كما يجلس المتفرج في مسرح لا يفهم نصّه، ثم يغادرون دون أن يتركوا أثراً واحداً يدل على أنهم يمثلون أحداً. لا سؤال، لا تدخل، لا مبادرة، لا موقف. مجرد أسماء تُسجَّل في محاضر الجلسات، وكأن الديمقراطية تُقاس بعدد الكراسي المملوءة لا بعدد الأفكار المطروحة.

ومع ذلك، يُفتح لهم باب الترشح من جديد، وكأن الأداء لا يعني شيئاً، وكأن التفويض الشعبي مجرد ختم يُجدَّد تلقائياً. هذا ليس خللاً عابراً، بل فضيحة سياسية مكتملة الأركان.

التمثيل حين يتحول إلى إجراء فارغ

في الأنظمة الديمقراطية الجادة، التمثيل ليس بطاقة انتخابية تُستعمل لخمس سنوات، بل عقد عمل مشروط بالأداء. أما عندنا، فقد انفصل التفويض عن المسؤولية، وتحول البرلمان إلى مؤسسة تمنح الشرعية دون أن تطلب مقابلاً. النائب الذي لم ينجز شيئاً لا يُسأل، ولا يُحاسَب، ولا يُمنع من العودة. يكفي أن يكون “حاضراً” ليُعتبر مؤهلاً، وكأن الحضور الشكلي يساوي العمل.
هكذا تتحول الديمقراطية إلى طقس بلا مضمون، وصندوق الاقتراع إلى أداة لإعادة تدوير العجز نفسه.

برلمان بلا صوت… وسلطة بلا رقابة
البرلمان لم يُخلق ليكون قاعة صامتة. وظيفته الأساسية هي طرح الأسئلة، لأن السؤال هو أول أدوات الرقابة. لكن حين يصبح السؤال غائباً، تصبح الرقابة نفسها وهماً. الأخطر أن هذا الصمت “الحاضر” يفرغ مبدأ الفصل بين السلطات من محتواه، ويحوّل البرلمان إلى مؤسسة تكميلية لا مؤسسة رقابية.
إن النائب الذي يحضر دون أن يفعل، أخطر من النائب الذي يغيب. الغائب يُفضَح، أما الحاضر الصامت فيمرّ دون ضجيج، ويُعطّل الرقابة من الداخل.

ديمقراطية تحمي الرداءة
السماح بإعادة ترشح نواب بلا أثر هو إعلان رسمي بأن النظام السياسي يفضّل الشكل على الجوهر. فطالما لا توجد معايير للأداء، يصبح المقعد البرلماني مكافأة دائمة، لا مسؤولية مؤقتة. الرداءة هنا ليست نتيجة إهمال، بل نتيجة حماية مؤسسية.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
كيف يمكن لمؤسسة لا تُحاسِب أعضاءها أن تُنتج قوانين تُحاسِب غيرها؟
كيف ننتظر إصلاحاً من طبقة سياسية تستفيد من غياب الإصلاح؟

إعادة تدوير العجز
في غياب التقييم، تعود نفس الوجوه إلى البرلمان، لا لأنها أنجزت، بل لأنها جزء من شبكة انتخابية أو رمزية اجتماعية. وهكذا يتحول الترشح إلى حق مكتسب، بينما يُقصى الأداء من معادلة الشرعية. إنها ديمقراطية بلا ذاكرة، تُعيد انتخاب من لم يفعل شيئاً لأنها لا تملك آليات لمعرفة من فعل ومن لم يفعل.

من الحضور الشكلي إلى المحاسبة الفعلية
الخروج من هذا المأزق لا يعني منع الترشح، بل منع الترشح بلا حصيلة. المطلوب ليس التضييق على الحقوق السياسية، بل ربطها بالمسؤولية. تقرير أداء إلزامي قبل كل استحقاق انتخابي—عدد الأسئلة، التدخلات، المشاركة في اللجان، المبادرات التشريعية—هو الحد الأدنى من احترام الناخب.
أما الإعلام والمجتمع المدني، فدورهما ليس إطلاق الأحكام، بل كشف الأرقام التي يخفيها الصمت البرلماني.

خاتمة
السؤال ليس لماذا يحضر بعض البرلمانيين دون مساهمة، بل لماذا يسمح النظام السياسي باستمرار هذا العبث. فإما أن يتحول البرلمان إلى مؤسسة فاعلة تُحاسِب وتُسائِل، أو يظل مسرحاً لحضور صامت يُجدَّد له التفويض بلا مقابل، وتظل الديمقراطية واجهة جميلة تخفي فراغاً عميقاً.