منتدى العمق

الولايات المتحدة وإيران: سياسة الإضعاف وإعادة رسم حدود القوة

السياسة الدولية تعيش مرحلة إعادة تشكّل عميقة، تتراجع فيها الأطر الكلاسيكية التي حكمت العلاقات بين القوى الكبرى طوال عقود، وتتقدّم بدائل أكثر خشونة تعتمد الفعل المباشر، والضغط المركّز، والرهان على اختلالات القوة بدل إدارة التوازنات. وضمن هذا التحوّل، تطفو العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران باعتبارها ساحة اختبار مركزية لنمط جديد من السلوك الإمبراطوري الأميركي، خصوصًا مع عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار التنفيذي ورغبته الواضحة في إعادة تعريف دور بلاده في العالم.

الإدارة الأميركية الراهنة تتعامل مع الشرق الأوسط من زاوية مغايرة لما ساد خلال العقدين السابقين. الخطاب الأخلاقي تراجع، والرهان على التحوّلات البنيوية الداخلية خفت حضوره، والاشتغال على الزمن الطويل فقد جاذبيته. ما يبرز بدل ذلك هو نزوع صريح نحو فرض الوقائع، واستخدام القوة أداة تفاوض، وتحويل التهديد إلى سياسة يومية. هذا التحوّل لا يعبّر عن نزوة شخصية أو رد فعل ظرفي، بل يعكس مراجعة عميقة داخل العقل الاستراتيجي الأميركي، مراجعة تعتبر أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة استنفدت أغراضها، وأن المنافسة مع الصين تتطلب تحرّرًا كاملًا من القيود التي فرضتها لغة القيم وحقوق الإنسان.

ضمن هذا الإطار، تكتسب إيران موقعًا خاصًا. الدولة الإيرانية تمثل عقدة جيوسياسية تجمع بين التحدي النووي، والامتداد الإقليمي، والقدرة على تعطيل مصالح الطاقة، إضافة إلى تموضعها الرمزي كقوة ترفع خطاب الاستقلال عن الهيمنة الغربية. هذا الموقع يجعلها هدفًا مثاليًا لإعادة اختبار أدوات الهيمنة الأميركية وفق الصيغة الجديدة التي يحملها ترامب وفريقه.

السياسة الأميركية تجاه إيران تقوم اليوم على فرضية مركزية مؤداها أن تغيير السلوك يسبق أي حديث عن تغيير البنية، وأن إضعاف القدرة على الفعل الإقليمي يفتح الباب أمام إعادة تشكيل النظام السياسي من الداخل دون كلفة الاحتلال أو إدارة الفوضى. هذه الفرضية تستند إلى قراءة نقدية لتجارب العراق وأفغانستان، وتجارب التحوّل الديمقراطي التي أفرزت أنظمة هشة وعاجزة عن ضبط المجال العام، ما انعكس سلبًا على المصالح الأميركية بدل خدمتها.

من هنا يتضح سبب تفضيل واشنطن لمنهج الضربات المحدودة، والضغط الاقتصادي المركّز، والتلويح المستمر باستخدام القوة، دون الانزلاق نحو مشاريع إعادة بناء الدول. هذا المنهج يهدف إلى إحداث اختلال دائم في قدرة الخصم على المناورة، ودفعه إلى موقع دفاعي طويل الأمد، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا ضمن شروط غير متكافئة.

في الحالة الإيرانية، يتوضح 1 هذا التوجه عبر استهداف العمق الاستراتيجي للدولة. والمقصود الضغط على البنية الصلبة التي تمسك بمفاصل القرار السياسي والعسكري. هذا النوع من الضغط يتجاوز الرسائل الرمزية، ويستهدف الثقة الداخلية للنظام، ويزرع الشك داخل دوائره الصلبة بشأن كلفة الاستمرار في النهج الحالي.

الرهان الأميركي يقوم على فكرة أن النظام الإيراني يملك قدرة عالية على امتصاص الصدمات الخارجية حين تأتي من الأطراف، لكنه يواجه صعوبات جدية حين يتعرّض مركز القرار نفسه للضغط المتواصل. هذه القراءة تجد ما يدعمها في تاريخ الجمهورية الإسلامية، التي نجحت في تجاوز حروب وحصارات، لكنها واجهت تحديات عميقة عند تلاقي الضغط الخارجي مع الاحتقان الداخلي.

الاحتجاجات الاجتماعية، والأزمات الاقتصادية، وتآكل الثقة بين المجتمع والنخب الحاكمة، عناصر تشكّل بيئة مناسبة لتفعيل استراتيجية الإضعاف المنهجي. الولايات المتحدة تدرك أن هذه العوامل وحدها لا تُسقط نظامًا، لكنها تخلق هشاشة تسمح بإعادة ترتيب موازين القوة عند لحظة الصدام.

وفي هذا السياق، يتقدّم الخيار العسكري باعتباره أداة ضغط سياسية ، الضربة المحتملة تهدف إلى إعادة تعريف حدود القوة الإيرانية، وتذكير النظام بأن تكلفة التحدي ارتفعت، وأن زمن إدارة الصراع عبر الاستنزاف الطويل فقد جدواه.

هذا النمط من السلوك يعكس عودة واضحة إلى المدرسة الواقعية في السياسة الخارجية الأميركية، المدرسة التي ارتبطت بأسماء مثل هنري كيسنجر، والتي ترى في العلاقات الدولية ساحة صراع مصالح لا مجال فيها للأوهام الأخلاقية. الفرق يتمثل في أن الواقعية الجديدة أكثر فجاجة، وأقل التزامًا بالشكليات الدبلوماسية، وأكثر استعدادًا لاستخدام الصدمة كأداة لإعادة ضبط النظام الدولي.

التعامل مع الحلفاء يعكس هذا التحوّل بوضوح. أوروبا تجد نفسها مضطرة لمجاراة الأجندة الأميركية، رغم تباين الرؤى، ورغم القلق من تداعيات التصعيد. دول الشرق الأوسط تواجه معادلة قاسية: الانخراط ضمن المنظومة الأميركية الجديدة أو تحمّل كلفة الغموض. هذه المعادلة لا تترك هامشًا واسعًا للمناورة، وتدفع باتجاه اصطفافات واضحة.

في المقابل، القوى الكبرى الأخرى تراقب المشهد بحذر. الصين تركز على أولوياتها الاقتصادية والتكنولوجية، وتفضّل إدارة الصراع من مسافة، مع الاكتفاء بتأمين مصالح الطاقة وضمان استقرار خطوط التجارة. هذا السلوك يعكس قناعة راسخة لدى بكين بأن الانخراط في نزاعات ساخنة خارج محيطها الحيوي يهدد مسارها التنموي، ويمنح واشنطن فرصة لاستنزافها سياسيًا.

روسيا، من جهتها، تتحرك ضمن هامش أكثر تعقيدًا. العلاقة مع إيران تقوم على تقاطع مصالح ظرفي، وليس على تحالف استراتيجي عميق. موسكو تنظر إلى طهران كورقة تفاوض ضمن لعبة أوسع مع واشنطن، وتدرك أن التصعيد المفرط يهدد توازنات تسعى للحفاظ عليها في مناطق نفوذها المباشر. هذا الإدراك يفسّر غياب أي اندفاع روسي جدي للدفاع عن إيران عند لحظات التصعيد الكبرى.

هذا المشهد الدولي يضع إيران أمام خيارات محدودة. الاستمرار في سياسة التحدي يرفع الكلفة الاقتصادية والاجتماعية، ويعمّق العزلة، ويزيد احتمالات الضرب في العمق. التراجع التكتيكي يفتح باب التفاوض، لكنه يفرض تنازلات تمس جوهر المشروع الإقليمي. هذا المأزق يشكّل جوهر الاستراتيجية الأميركية: دفع الخصم إلى مفترق طرق دون تقديم مخرج مريح.

بالنسبة للعالم العربي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. المنطقة تعيش حالة إنهاك عميقة، وتعاني من أزمات بنيوية تجعلها أقل قدرة على تحمّل صدمات كبرى. الدخول في صراع مفتوح بين الولايات المتحدة وإيران يحمل مخاطر جسيمة على الاستقرار الهش، ويهدد بتحويل ساحات عربية إلى مسارح مواجهة بالوكالة.

من هنا يبرز خيار التحوّط الاستراتيجي باعتباره السلوك الأكثر عقلانية. تحييد المصالح الوطنية، وتجنّب الانخراط في محاور صلبة، والسعي إلى تقليل كلفة الارتدادات، خيارات تفرض نفسها في ظل ميزان قوى مختل. هذا التموضع لا يعني الحياد الأخلاقي، وإنما يعكس قراءة واقعية لمحدودية القدرة على التأثير في مسار الصراع.

الولايات المتحدة، عبر هذه المقاربة، تعيد تعريف مفهوم القيادة العالمية. القيادة التي تقوم على فرض الإيقاع، وتحديد سقف الحركة للآخرين، وإدارة الصراعات عبر التحكم في شدتها. هذا النموذج يخلق عالمًا أكثر اضطرابًا، لكنه يمنح واشنطن هامش تحكم أوسع في المدى القصير.

في المحصلة، ما يجري مع إيران يتجاوز حدود المواجهة الثنائية، ويمثل فصلًا جديدًا في تاريخ العلاقات الدولية. فصل تحكمه منطق القوة، وتراجع فيه الأوهام الليبرالية، وتتقدّم فيه الحسابات الصلبة. فهم هذا الفصل يتطلب قراءة بعيدة عن الانفعال، ووعيًا عميقًا بطبيعة التحوّلات الجارية، واستعدادًا للتعامل مع عالم أقل استقرارًا وأكثر قسوة.

المرحلة المقبلة تحمل احتمالات مفتوحة. الضربة قد تقع أو تتأجل، التفاوض قد ينطلق أو يتعثر، لكن الاتجاه العام بات واضحًا: الولايات المتحدة قررت إعادة فرض هيمنتها وفق قواعد جديدة، وإيران تجد نفسها في قلب هذا المسار. بين الفعل ورد الفعل، تتحدد ملامح شرق أوسط مختلف، تتراجع فيه المساحات الرمادية، وتتقدّم خيارات الحسم.