في أعقاب الفيضانات الأخيرة، ارتفعت أصوات تُحمِّل الدولة كامل المسؤولية، وتصدر أحكاماً قطعية قبل أن تنحسر المياه وتتضح المعطيات. هذا الخطاب، على وجاهته العاطفية، ينزلق أحياناً إلى تبسيط مخلّ، إذ يتجاهل حقيقة بنيوية أساسية: المغرب ليس معزولاً عن التحولات الكونية، والمناخ لم يعد ذلك المعطى المستقر الذي بُنيت عليه سياسات العقود الماضية.
الواقع المناخي اليوم يفرض معادلة جديدة؛ فـ«التاريخ المطري» لم يعد خطّياً ولا قابلاً للتنبؤ الكلاسيكي. نحن أمام مناخ متطرف، تُسجَّل فيه تساقطات قصيرة الزمن لكنها عالية الحدة، تتجاوز في كثير من الأحيان القدرة الاستيعابية للبنيات التحتية، مهما بلغ مستوى تطورها. وما شهدته دول مثل فرنسا وألمانيا وإسبانيا في السنوات الأخيرة يؤكد أن الظواهر القصوى لم تعد استثناءً محلياً، بل أصبحت عابرة للحدود وحتى للقدرات التقنية للدول المتقدمة. وهنا يبرز سؤال مشروع: لماذا يُوصَف ما يحدث في أوروبا بـ«الكارثة الطبيعية»، بينما يُختزل في السياق المغربي في «فشل إداري» صرف؟
غير أن الاعتراف بهذا التحول المناخي الجذري—من حيث شدة التساقطات، وتوزيعها الزمني، وعدم انتظامها—لا يعني التنصل من المسؤولية أو الاحتماء بخطاب «القَدَر». بل على العكس، هو مدخل ضروري لنقل النقاش من منطق الاتهام السياسي السريع إلى التحليل التقني والمؤسساتي الرصين.
ضمن هذا الإطار، يسلّط التحليل العلمي، كما يطرحه عدد من الخبراء من بينهم محمد بازة، الضوء على مكامن خلل واضحة لا يمكن إنكارها، من بينها:
بطء تنزيل السياسات الاستباقية مقارنة بسرعة التحول المناخي.
التوسع العمراني غير المنضبط داخل مجاري الأودية ومناطق الخطر.
تقادم أو قصور شبكات تصريف مياه الأمطار في عدد من المدن.
محدودية المرونة في تدبير السدود خلال فترات الذروة المطرية.
المسألة إذن ليست «غياب الدولة» بقدر ما هي فجوة متزايدة بين وتيرة تغير المناخ وسرعة تكيّف أدوات التخطيط والبناء والحكامة. وهي فجوة تعترف بها اليوم حتى الدول الأوروبية، التي وجدت نفسها أمام حدود نماذجها التقليدية في التدبير الحضري والبيئي.
النقد الضروري في هذه المرحلة هو ذلك الذي يعيد ترتيب الأولويات: إعادة تصميم البنية التحتية على أساس سيناريوهات مناخية أكثر عنفاً، تشديد الرقابة القانونية على التوسع العمراني، وتحويل الإنذار المبكر من إجراء تقني هامشي إلى سياسة وطنية متكاملة.
أما الاكتفاء بخطاب الاتهام، فهو هروب من التعقيد نحو السهولة، ومن المعرفة العلمية نحو الانفعال الظرفي. المغرب اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء علاقته بالماء، على أساس الوقاية والاستباق لا ردّ الفعل. وهي فرصة لا تنضج بالضجيج الموسمي الذي ينهمر مع المطر، بل بنقاش هادئ ومسؤول يستمر حتى بعد انقشاع الغيوم.
تعليقات الزوار
تربيت مع والدي رحمه الله وأنا الآن في عقدي الثامن، أن اليقين من معرفة الوجود اللهي هي تغير الأحوال ومن هذه الأحوال الطقس وما يستحب منه من غيث يعني المطر أو الشتا كما نقول في بلادنا المغرب الحبيب. وكما قال المغاربة سكان الجبال ( نستعد للبرد والشتاء كما نستعد للعدو) . الفيضان كارثة مند القدم ولكن تجب المقاومة والصبر لما قدره الله والحمد الله، الفيضان أفضل من العطش والجفاف.