منير لكماني
منتدى العمق

معدن الشدة

تجيء الشدة كصفارة حادة تقطع ضجيج الأيام، فتسقط الزينة من الكلام، ويظهر الإنسان على حقيقته. تتبدل مقاييس الهيبة بسرعة: من كان كبيرا بصورته يصغر، ومن كان عاديا في نظر الناس يكبر. إذ تتراجع الأسئلة الثانوية، ويتقدم سؤال واحد لا يحتمل التهرب: من ينقذ؟ ومن يلوذ بالتبرير؟

محك اللحظة

الظاهرة ليست أن الكارثة تصنع الأخلاق من عدم، بل إنها تكشفها كما يكشف الضوء العيب المخفي. حين يضيق هامش الإختيار، لا يعود المرء قادرا على إرتداء أقنعة كثيرة. تظهر الشجاعة بلا خطابة، ويظهر التخاذل بلا أعذار مقنعة. يتعلم الناس بسرعة أن بعض الصفات لا تعرف إلا ساعة الإمتحان: الصبر، والنجدة، والوفاء، وحسن التدبير تحت الضغط.

ثقل الواجب

زمن المنصات أقنع كثيرا من الناس أن الأثر يقاس بعدد العيون لا بعدد الأيادي. تنتفخ الكلمات، وتنتشر الحكم الجاهزة، وتتعاظم صور البطولة المستعارة. غير أن المحنة تفضح هشاشة هذا الإقتصاد. عندما يغمر الطين شارعها، أو تنقطع سبلها، أو يختنق بيتها بالماء أو الدخان، لا تنفع عبارة بليغة ولا منشور حار. الإشارة لا تحمل جسدا، والتعليق لا يسند جدارا، والإعجاب لا يضيء عتما.

عزة الصمت

عند هذا الحد يخرج أولئك الذين لا يحبون الظهور. لا يملكون لغة براقة، ولا يرغبون في تصدر المشهد، لكنهم يملكون شيئا أثمن: إستعدادا عمليا للفعل. يتحركون كأنهم يؤدون واجبا بديهيا: يطرقون الأبواب، يطمئنون على كبار السن، يفتحون بيوتهم لمن انقطع به الطريق، يحملون ما ثقل، ويقودون من ضل. لا يسألون عن المقابل، ولا يفتشون عن شاهد. ينجزون ثم يعودون إلى الظل كما لو أنهم لم يفعلوا شيئا إستثنائيا.

نبل الكف

هنا تتجلى قيمة قديمة لا تزال تصلح لكل زمان: الأخلاق التي تسكن الكف لا الحنجرة. أخلاق لا تحتاج إلى تعريفات طويلة: إيثار، ستر، إحترام الجار، نجدة الضعيف، وحفظ حرمة البيوت. يظهر أيضا ذكاء إجتماعي عملي: تقسيم المهام دون صراخ، تنظيم الصفوف دون أوامر ثقيلة، وتبادل الموارد القليلة بعدل. تتشكل شبكة نجاة من تفاصيل بسيطة: قارورة ماء، بطانية، مصباح، كلمة طمأنة، وكتف يسند كتفا.

بصمة باقية

بعد أن يهدأ كل شيء، يبدأ الفصل الأكثر عمقا: فصل الذاكرة. الناس لا تتذكر من تحدث كثيرا، بل من خفف ضررا حقيقيا. الزمن لا يحمل معه لقطات كثيرة، لكنه يحتفظ بما أنقذ حياة، أو صان كرامة، أو منع خرابا أكبر. هكذا تستعيد القيم معناها الأصلي: لا قيمة للإدعاء عندما يقف الإنسان أمام إحتياج ملموس. ولا معنى للبطولة المؤداة عندما تصبح المسؤولية عملا يوميا ثقيلا.

قرار صامت

هذا الإستنتاج يقيني من جهة التجربة الإنسانية العامة: الشدة تكشف الفروق، والفعل الصامت يصنع الأثر الأطول. أما التفاصيل التي تختلف من مكان إلى آخر فهي أشكال النجدة وطرق التنظيم، إذ تتلون بحسب طبيعة الحي وروح أهله ومواردهم. لكن جوهر الظاهرة ثابت: المجتمع يتماسك عندما تتقدم اليد على الصورة، ويضعف عندما تتقدم الصورة على اليد.

وجع يقظ

إذا كانت المحنة تعيد ترتيب السلم القيمي بهذه القسوة، فماذا نفعل قبل أن تقع؟ هل نربي أطفالنا على حب الواجهة أم على شرف الخدمة؟ هل نكرم من يتقن الكلام أم من يتقن تحمل العبء؟ ثم أي مجتمع نريد حين يطرق الخطر الباب: مجتمع يزدحم بالصخب ويجوع إلى الفعل، أم جماعة قليلة الكلام كثيرة النفع، تعرف أن النجاة تصنعها الأكتاف المتساندة لا العناوين اللامعة؟