وجهة نظر

ما وراء المستطيل الأخضر

لن يخرج عن دائرة التبصر والتقدير الواعي، القول على أن المشهد الرياضي، وكرة القدم على وجه الخصوص، في التجربة المغربية، لم يعد مجرد ممارسة رياضية أو فضاء للفرجة الجماهيرية فقط، بل أمسى عبارة عن نسيج محوري، يبلور المعنى السياسي، ويعيد تشكيل خيوط التماسك الاجتماعي بشكل دقيق، ويرسم ملامح الدولة على خارطة المنتظم الدولي بملامح جلية.

ذلك أن المنظومة الوصية على الشأن الرياضي والكروي بالمغرب، انخرطت بشكل قوي في تشييد قاعدة مؤسساتية راسخة، أعادت من خلالها تعريف الرياضة باعتبارها فضاءا عاما، يخضع لمنطق التنظيم والحكامة، وجعلت من كرة القدم في طليعتها نبراسا يستنير به المسار الوطني، ويتبدى عبره وجه المجتمع وكيانه، بل أضحى جزءا من المرآة التي يلمح فيها المواطن المغربي قلب مجتمعه وهو ينبض بالهوية والانتماء، وكذلك المجال الذي تتحول فيه لحظات اللقاء الجماعي إلى لحظات توافق واستثناء، وأحد أبز القنوات الناظمة لرؤية الدولة في ترسيخ حضورها المؤسساتي داخل الفضاء الدولي.

هذا التحول الجذري، لايمكننا فصله عن الإدراك المنهجي طويل الأمد الذي جعل من كرة القدم عنصرا مهما من تصور متوازن يعكس هندسة السلطة العمومية، على اعتبار أنها رافعة ناعمة توازي في تأثيرها الأدوات الدبلوماسية التقليدية والسياسات الاقتصادية.

كما أن السياق يقتضي منا الأخد بعين الاعتبار على أن النجاحات الرياضية المتتالية التي راكمها المغرب، خلال السنوات الأخيرة لا تمثل سوى الصرح الظاهر لمسار متأصل و متسلسل، قوامه الاستثمار في الزمن الطويل، وفي البنيات التحتية، وفي الرأسمال البشري والمؤسساتي.

فالرياضة هنا، لم يتم مقاربتها بمنطق الإنجاز الظرفي أو التعبئة العاطفية العابرة، بل باعتبارها ميدانا مؤطرا بمنطق التوقع، والنتائج المدروسة بعناية ودقة، والخاضع لمنطق التخطيط والاستمرارية، الأمر الذي أفضى إلى بناء منظومة رياضية و كروية قادرة على إنتاج التميز وضمان ديمومته. ما جعل من النتائج داخل المستطيل الأخضر تعبيرا عن نجاعة خيارات سياسية وتنموية أكثر منها تفوق تقني.

هذا المسار الفذ الذي أخده المغرب، تمت ترجمته بوضوح في الطريقة التي تبلور من خلالها تدبير الدورة الخامسة والثلاثين لكأس إفريقيا للأمم، وهي الدورة التي تحول فيها التنظيم إلى شعاع يعكس درجة نضج الدولة وقدرتها على إدارة التعقيد. فاحتضان حدث رياضي بهذا الحجم لا يختبر فقط كفاءة الهياكل الرياضية فقط، بل يضع المؤسسات برمتها أمام امتحان التنسيق، وضبط الزمن، وتدبير الفضاء العام، وإنتاج الانسجام بين مختلف المتدخلين.

وقد برهنت جميع المؤسسات المعنية، في هذا المضمار على قدرتها المتفردة في تحويل الصعوبات إلى فرص مواتية لإبراز كفاءة الدولة التي تسير وفق منطق الشبكة، حيث تتكامل فيها السياسات العمومية بانسجام، بدلا من العمل بمعزل عن بعضها البعض.

وفقا لذلك، لا يمكننا الحديث عن التنظيم دون التوجه إلى النهج الذي تم اعتماده في طريقة الاستقبال، على اعتبار أن هذا الاخير يتجاوز الوظيفة اللوجستية، إلى أدوار مركزية في بناء الشرعية التمثيلية للدولة. فالطريقة المعتمدة في استقبال الزائرين، سواء المشاركين أو المسؤولين و المشجعين كذلك، تشكل خطابا غير منطوق عن طبيعة المجتمع والدولة وتعكس روح المكان قبل معالمه. و هو الأمر الذي تفوق فيه المغرب بشكل واضح و جعل من مراسيم الاستقبال عبارة عن خطاب جماعي بصوت الأمة، تماهت فيه الضيافة مع التنظيم، وتكاملت الحفاوة الشعبية مع الانضباط المؤسساتي، و هو أسلوب ماهر أتقنه المغرب بجدارة وأتقن فيه المزج بين إنسانية الشعور وصرامة التنظيم، بحيث أصبح الانضباط امتدادا طبيعيا للتراحم، وليس تناقضا معه.

غير أن هذا المشهد البهي، بكل ما يحمله من انعكاس ايجابي، ما كان ليكتمل لولا الحضور الأمني الذي اشتغل كقوة صامتة تؤطر الحدث دون أن تطغى عليه. فالرهان الأمني في مثل هذه التظاهرات الكبرى لا يكمن في كثافة الوجود أو استعراض القوة، بل في القدرة على إنتاج الطمأنينة كحالة نفسية جماعية. وهنا، برزت المقاربة الأمنية المغربية التي قوامها الحكامة والاستباق، والتوازن بين متطلبات السلامة وضرورة الانفتاح. وهو النموذج الأمني الهادئ و الرصين الذي أسهم في تعزيز الثقة الدولية، وكرس صورة المغرب كفضاء مستقر ومتين في محيط إقليمي ودولي يتسم بموجات متلاحقة من التقلبات.

وفي خضم هذا التراص والترتيب المحكم، تحولت كرة القدم إلى أداة لإعادة تموضع المغرب في خريطة العلاقات الدولية، ليس فقط كبلد منظم لتظاهرات رياضية، بل كفاعل قادر على بناء الجسور بين الفضاءات الجغرافية والثقافية. فالرياضة هنا تشتغل كلغة كونية، تختزل المسافات، وتفتح قنوات التواصل وتتجاوز منطق المصالح الصرفة نحو بناء الثقة والاعتراف المتبادل. وبهذا المعنى، تغدو الملاعب فضاءات دبلوماسية غير رسمية، تدار فيها علاقات الشراكة، وتختبر فيها مصداقية الدول وقدرتها على الالتزام بالمعايير المشتركة.

و بالتالي يصبح استثمار كرة القدم، وإعادة إنتاجها كرافعة وتصور تاكتيكي في المغرب، لا يمثل مجرد نجاح لسياسة رياضية فقط، بل هو نموذج في التفكير السياسي، الذي يعتبر على أن عمق الاستبصار يتأسس على ملامح الواقع وتفاعلاته، ويدرك جيدا على أن القوة في عالم اليوم لم تعد تقاس بما يفرض التقييد، بل أيضا بما يستوعب ويستبطن. ومن هنا، تتشكل التجربة المغربية المتميزة، التي جعلت من الشغف الجماهيري موردا موجها لتحقيق أهداف محددة، ومن التنظيم المحكم أداة لإنتاج الثقة، ومن الأمن الهادئ شرطا لبناء صورة دولة حديثة، قادرة على تحويل الرياضة من لعبة جماعية إلى مشروع وطني ذي أفق عالمي.