من زلزال الحوز إلى فيضانات الشمال: بين التخطيط والإنصاف، هل أصبح المغرب مرجعا في تدبير الكوارث؟
منتدى العمق

من زلزال الحوز إلى فيضانات الشمال: بين التخطيط والإنصاف، هل أصبح المغرب مرجعا في تدبير الكوارث؟

أمام ما يحدث اليوم في المغرب، يطرح بإلحاح متزايد، سؤال ما إذا كان المغرب قد أصبح مرجعا في تدبير الأزمات والكوارث الطبيعية، خاصة بعد تعدد الاختبارات القاسية التي فرضتها التحولات المناخية، والزلازل، والفيضانات، وهو سؤال مشروع، ليس من باب التقليل من الجهود المبذولة، بل من زاوية التمييز بين الخطاب المؤسساتي والواقع الميداني، وبين بناء النماذج القانونية، وتحقيق العدالة الفعلية للمتضررين.

لا شك أن المغرب قطع، خلال السنوات الأخيرة، أشواطا مهمة على مستوى التخطيط الاستراتيجي لتدبير المخاطر، فقد انتقل رسميا من منطق التدخل الارتجالي إلى تبني مقاربة استباقية، تقوم على الوقاية، والتنسيق المؤسساتي، وتعبئة الموارد المالية، وإشراك الشركاء الدوليين، هذا التحول منح للمغرب صورة دولة واعية بتحديات الكوارث، وساعية إلى مأسسة التعامل معها بدل تركها رهينة الظرفية، غير أن هذه الصورة، على أهميتها، تصطدم عند أول احتكاك بالأرض بسلسلة من الاختلالات التي تضعف الادعاء بوجود نموذج مغربي متكامل في تدبير الكوارث.

الإشكال الجوهري لا يكمن في غياب القوانين أو الصناديق أو الخطط، بل في طريقة تنزيلها، وفي الفجوة الصامتة بين القرار المركزي ومعاناة الضحايا في الهامش، فحين تتحول الكارثة من حدث طبيعي إلى تجربة اجتماعية طويلة الأمد، يصبح معيار النجاح الحقيقي هو مدى إنصاف المتضررين، وسرعة التعويض، ووضوح المعايير، وعدالة التوزيع، وهنا تحديدا تتكشف حدود التدبير الحالي.

زلزال الحوز، على سبيل المثال، شكل اختبارا حاسما للمنظومة برمتها، فمن حيث سرعة التدخل الأولي، أبانت الدولة عن قدرة تنظيمية معتبرة، ومن حيث التعبئة المالية، أعلن عن برامج دعم وتعويض غير مسبوقة، لكن مع مرور الوقت، بدأ يتضح أن التدبير لم يكن على الدرجة نفسها من التماسك في مرحلة ما بعد الطوارئ، أي مرحلة التعويض وإعادة الإعمار، وهي المرحلة الأهم في نظر الضحايا.

عدد غير قليل من الأسر المتضررة وجدت نفسها خارج لوائح الاستفادة، رغم تضرر مساكنها بشكل واضح، وأسر أخرى حصلت على نصف التعويض فقط، دون توضيح شفاف للمعايير التي تم اعتمادها في التقييم، هذا التفاوت لم يكن مجرد خلل إداري عابر، بل مس جوهر الإحساس بالعدالة، وأعاد إنتاج شعور قديم لدى سكان المناطق المتضررة مفاده أن الهشاشة لا تنتهي بانتهاء الكارثة، بل قد تتكرس عبر طرق تدبيرها.

المشكلة هنا ليست في محدودية الموارد، بل في غياب آليات مستقلة للتقييم، وفي اعتماد منطق إحصائي وتقني جامد لا يراعي التعقيد الاجتماعي والاقتصادي للمناطق المنكوبة، فالبيت المتضرر في قرية جبلية معزولة لا يقاس فقط بدرجة تصدعه، بل بوظيفته الاجتماعية، وبغياب البدائل، وبكونه مصدر الأمان الوحيد للأسرة، وحين تختزل هذه المعطيات في تصنيفات إدارية صارمة، يصبح الإقصاء نتيجة شبه حتمية.

غير أن أخطر ما أفرزته تجربة زلزال الحوز لا يكمن فقط في حجم الدمار أو في تعقيد إعادة الإعمار، بل في كون عدد من الاختلالات التي رافقت التدبير ما زال قائما إلى اليوم، وكأن الكارثة انتهت زمنيا لكنها لم تنته مؤسساتيا، فملفات التعويض التي لم تحسم، وحالات الإقصاء التي لم تعالج، والتفاوت في تقدير الأضرار، كلها مؤشرات على أن الخلل لم يكن ظرفيا، بل بنيويا في آليات التقييم والإنصاف.

هذه الاستمرارية في الاختلال تكتسب اليوم خطورة مضاعفة، لأن البلاد تواجه في الوقت نفسه كوارث متجددة، من بينها فيضانات مدن الشمال خاصة تلك التي وقعت بمدينة القصر الكبير وضواحيها والتي لا زالت تداعياتها مستمرة إلى اليوم، وقد أدت إلى إجلاء أغلب سكانها، ونزوحهم منها إلى مدن آمنة نسبيا من خطر الفيضانات ، مخلفة خسائر مادية متفاوتة خاصة وأن مدينة بأكملها غمرتها المياه وحولتها إلى مدينة عائمة، والخشية هنا لا تتعلق بحدوث الفيضانات في حد ذاتها، بقدر ما تتعلق بإمكانية تدبيرها بالمنطق نفسه الذي أفرز اختلالات ما بعد الزلزال، منطق الإحصاء السريع، والتصنيف الإداري الضيق، والتعويض الجزئي أو المتأخر، دون معالجة الأسباب العميقة للهشاشة.

فإذا كان زلزال الحوز قد كشف محدودية العدالة في مرحلة ما بعد الكارثة، فإن فيضانات الشمال تختبر اليوم قدرة الدولة على التعلم من أخطائها، لا على تكرارها، إذ لا معنى للحديث عن مرجعية في تدبير الكوارث، ما دامت نفس الإشكالات تتنقل من كارثة إلى أخرى، ومن منطقة إلى أخرى، دون تصحيح حقيقي للمسار، فالكارثة لا تصبح أزمة فقط حين تقع، بل حين تدار بالآليات نفسها التي أثبتت قصورها سابقا.

من هنا، تبرز الحاجة إلى التعامل مع الفيضانات الجارية ليس كملف استعجالي معزول، بل كفرصة لتدارك أعطاب لم تصلح بعد منذ الزلزال، وإعادة بناء الثقة مع المتضررين عبر معايير واضحة، وآليات إنصاف قابلة للطعن والمراجعة، حتى لا يستمر الزمن في كشف الكوارث، بينما يبقى التدبير أسير المنطق نفسه.

هذا الواقع يطرح سؤالا أعمق، هل المرجعية في تدبير الكوارث تقاس بوجود الاستراتيجيات أم بمدى شعور الضحايا بأن الدولة أنصفتهم، وهل يمكن الحديث عن نموذج يحتذى به بينما لا يزال جزء من المتضررين يطالب فقط بالاعتراف بضرره قبل التعويض عنه.

إن تحويل المغرب إلى مرجع فعلي في هذا المجال لا يمر عبر تحسين الخطاب أو توسيع الشراكات الدولية فحسب، بل يقتضي مراجعة جريئة لآليات التعويض، وتبسيط المساطر، وضمان الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة حين يتعلق الأمر بحقوق مواطنين وجدوا أنفسهم ضحايا للطبيعة، ثم لثغرات التدبير.

وختاما يمكن القول أن الكارثة الطبيعية في النهاية، ليست فقط حدثا جيولوجيا أو مناخيا، بل لحظة اختبار أخلاقي وسياسي للدولة، وفي هذا الاختبار، لا يكفي أن نكون أفضل مما كنا عليه سابقا، بل أن نكون في مستوى ما نعلنه من طموح.

وعلى هذا الأساس فبين المغرب كبلد يتقدم في التخطيط، والمغرب كدولة تنصف ضحاياها دون تمييز، ما تزال مسافة تحتاج إلى شجاعة الإصلاح أكثر مما تحتاج إلى مزيد من الخطط

تعليقات الزوار