منتدى العمق

قراءة في مجموعة “لقاء مؤجل” لمؤلفها عبد الرحمان حمزاوي “الدرعي”

تأتي مجموعة «لقاء مؤجل» لعبد الرحمان حمزاوي “الدرعي” بوصفها نصًّا سرديا مشغولا بهاجس الزمن المؤجل، لا باعتباره زمنا عابرا أو ظرفا خارجيا، بل كقوة خفية تتحكم في مصائر الشخوص، وتعيد تشكيل علاقاتهم بذواتهم وبالعالم. فاللقاء في هذه القصص ليس حدثا يقع، بقدر ما هو أفق ينتظر، ووعد يتأجل، وربما وهم جميل نتمسك به كي نستمر.

تتوزع قصص المجموعة على فضاءات إنسانية متعددة، حيث يلتقط الكاتب لحظات صغيرة، يومية في ظاهرها، لكنها مثقلة بالأسئلة والكسور الداخلية. شخصياته غالبا ما تتحرك في مناطق بينية:
– بين الحضور والغياب؛
– بين الرغبة والعجز؛
– بين ما كان وما كان ينبغي أن يكون.

وهنا تتجلى قوة النص، إذ لا يسعى إلى تقديم إجابات جاهزة، بل يكتفي بفتح الجراح بهدوء، وترك القارئ في مواجهة ذاته.

أسلوب عبد الرحمان حمزاوي “الدرعي” لا يبتعد عن أسلوب أدباء الجنوب وفي طليعتهم الاديب عبد العزيز الراشدي- إذ يتسم بالاقتصاد اللغوي والدقة، مع ميل واضح إلى التكثيف الدلالي مفعم بنبرة حقوقية نظرا لانتماء الكاتب للنسيج الجمعوي النشيط في الترافع على قضايا التنمية المجالية. الجملة القصصية عنده ليست زائدة عن الحاجة، بل مشحونة بإيحاءات نفسية ورمزية، تجعل القصة القصيرة أقرب إلى ومضة تأملية، أو مشهد سينمائي ينتهي قبل أن يكتمل، تاركا أثره عالقا في الذهن، كما يلاحظ حضور نبرة إنسانية عميقة، لا تخلو من مسحة حزن رصين، وسخرية خفيفة أحياناً، تزيد النص قربا من القارئ دون ابتذال.

ولا تخلو المجموعة من بعد اجتماعي وثقافي، حيث تنعكس تحولات الإنسان المعاصر، وهشاشته أمام الإيقاع المتسارع للحياة، وتراجع القيم الحميمة لصالح الانتظار، والتسويف، وتأجيل الحلم.

إن «اللقاء» في هذه القصص قد يكون لقاء حب، أو مصالحة مع الذات، أو حتى مواجهة مؤجلة مع الحقيقة.

بهذا المعنى، تشكل «لقاء مؤجل» تجربة سردية ناضجة، تؤكد أن القصة القصيرة ما تزال قادرة على مساءلة الوجود الإنساني بأدوات بسيطة، لكنها عميقة الأثر. وهي مجموعة تضع القارئ أمام مرآة صادقة، وتدعوه للتساؤل:
كم من لقاء في حياتنا نؤجله… وكم من حياة نؤجلها بانتظار لقاء؟

تعليقات الزوار