منير لكماني
منتدى العمق

هندسة الخوف

يستيقظ المرء على رنين هاتفه قبل أن يفتح النافذة، فيجد العالم قد سبق أنفاسه: خبر عاجل، صورة صادمة، تحذير جديد، ونبرة عامة تقول له بلا كلام واضح: انتبه، لا تأمن. هكذا تتسلل ظاهرة معاصرة بهدوء إلى البيوت والجيوب والعقول: هندسة القلق عبر الشاشات، حتى يغدو الخوف عادة يومية لا حدثا طارئا. ما الذي تغير ؟ ولماذا صار الإحساس بالتهديد أقرب من أي وقت، رغم أن كثيرا من الناس يعيشون بعيدا عن ساحات الصراع المباشر؟

شبح خفي

الخطر اليوم لا يطرق الباب بصوت عال، بل يدخل عبر إشعارات صغيرة. لا يحمل وجها واحدا ولا راية واحدة، بل يتوزع بين شائعة تتنكر في هيئة نصيحة، وحسابات مجهولة تدفع الناس إلى الغضب، وعمليات اختراق تسرق البيانات، وموجات هلع جماعي تولد من عنوان مثير. هذا الغموض يخلق قلقا أشد من الخطر الواضح، لأن العقل لا يعرف أين يضع حدوده ولا كيف يحدد ما الذي ينبغي أن يخاف منه فعلا.

صخب اللحظة

كانت المعرفة زمنا تشبه جدول ماء يروي الحاجة، أما الآن فكثير منها يشبه سيلا لا يترك فرصة للتفكير. تتزاحم القصص والوقائع والتحليلات، ويختلط الصدق بالتمثيل، والمعلومة بالشهادة العاطفية، والتفسير بالتشويه. حين تتكرر الصدمات، تتغير الإستجابة: بعض الناس يتبلد، وبعضهم ينهار، وآخرون يبحثون عن يقين سريع ولو كان هشا . وهنا يصبح المجتمع المحافظ أكثر عرضة للإرتباك، لأنه يقدس الطمأنينة ويزن الكلام بميزان الوقار، ثم يجد نفسه داخل سوق صاخبة تبيع الإنفعال أرخص من الحقيقة.

ثمن الإنتباه

ليس كل ما يصل إلينا بريئا. منصات كثيرة تكافئ ما يثير التوتر، لأن القلق يطيل البقاء أمام الشاشة. كل ثانية انتباه تتحول إلى قيمة، وكل مشاعر مضطربة تصبح وقودا للإعلانات والمنافسة. حين يفهم المرء ذلك، يدرك أن بعض الخوف ليس انعكاسا للعالم كما هو، بل نتيجة تصميم: عناوين تستدرج، مقاطع تقطع السياق، وخوارزميات ترفع الأكثر استفزازا. وبمرور الوقت، يختلط ما نختاره بما يختارنا.

فزع رقمي

إلى جانب الضجيج، هناك جانب خفي: اختراقات، تسريب صور أو محادثات، ابتزاز، تقليد أصوات، وانتحال هويات. هذه المخاطر لا تقتصر على المؤسسات؛ قد تطال أسرة عادية، أو تاجرا صغيرا، أو طالبا. خصوصية البيت التي كانت حصنا، صارت قابلة للثقب بكلمة مرور ضعيفة أو رابط خادع. ومع كل حادثة تتسع مساحة الشك: من يراقب؟ من يجمع المعلومات؟ ومن يملك حق التصرف فيها؟

وجع البيت

القلق المصنوع لا يبقى داخل الهاتف. يتسلل إلى الحوار بين الزوجين، إلى تربية الأبناء، إلى نظرة الشاب لنفسه، وإلى صورة العالم في ذهن الطفل. يصبح المزاج العام أقرب إلى الحذر المفرط، ويصير النقاش حادا لأن الأعصاب مستنزفة. ومع ازدياد التوتر، تتراجع قيم أساسية: حسن الظن، الصبر، ستر الناس، والتثبت قبل الحكم. الأخطر أن الخوف حين يطول، يتحول إلى عدسة نرى بها كل شيء، فتضيق الرحمة وتتسع الريبة.

حذر رزين

لا حل في الهروب الكامل، ولا في الاستسلام. الطريق الأمتن هو يقظة عملية: تقنين الوقت، إطفاء التنبيهات غير الضرورية، اختيار مصادر قليلة معروفة بالتحقق، وتعليم الأبناء الفرق بين الخبر والرأي والدعاية. من الحكمة أيضا بناء عادات ثابتة تحمي النفس: قراءة هادئة، رياضة خفيفة، مجالس عائلية بلا شاشات، ومبدأ بسيط قبل إعادة النشر: ما الدليل؟ من المستفيد؟ وهل يليق أن أكون جسرا لخوف لا أعرف أصله؟

ندوب خفية

التوتر الأعصاب لا ينهش الفرد فقط، بل يزحف على ما بين الناس: كلمة كانت تكفي، صارت تحتاج تفسيرا، ونية كانت تؤخذ على السلامة، صارت موضع ارتياب. يتبدل المزاج العام ببطء حتى يبدو كأن الثقة نفسها فقدت لغتها، وكأن القلوب صارت تحرس أبوابها أكثر مما تفتح نوافذها. وحين يعتاد المرء الإرتجاف، يتعلم أن يصدق ما يريحه لا ما يثبته الدليل، فتغدو الحماسة بديلا عن البرهان، ويصير الصخب قاضيا بلا بينة. عندها لا يكون الهدوء زينة للوقت، بل نجاة من الداخل: تربية للعين على غض الطرف عن المغري، وتدريب للعقل على التمهل، وحراسة للضمير كي لا يتحول إلى سهم في يد كل من يتقن الإثارة. ما يبقى في النهاية ليس كثرة ما رأيناه، بل ما حفظناه من اتزاننا ونحن نرى.