منتدى العمق

مأساة الغرق وسخرية الورق

طلع علينا الدكتور المحترم والمحلل السياسي يونس دافقير بمقال رأي في الصفحة الأولى من جريدة الاحداث المغربية عدد 13/02/2026 بعنوان ” ومن البؤس ما يضحك”؛ مقال يفيض سخرية وتهكما على أصوات سياسية وحقوقية انتقدت تدبير أزمة الفيضانات الأخيرة. وبدلا من أن تفتح هذه الكوارث بابا للمساءلة العمومية، اختار الدكتور المحترم توجيه سهام النقد ليس لقصور السياسات العمومية، بل لمن يجرؤ على المطالبة بحماية المواطنين وبمحاسبة المخطئين.

احتكار الوطنية وإلغاء السياسة

يرتكز منطق سي يونس على مغالطة كبرى مفادها أن الدولة تمتلك “الاختصاص الحصري” في مواجهة الكوارث، وكأن هذا الاختصاص يمنح حصانة من النقد أو المساءلة. إن وصف مطالبات القوى السياسية بتقديم الحد الأدنى من الحماية بأنها حسابات صبيانية هو في جوهره محاولة لتعطيل أدوار الوساطة السياسية، وتحويل الفشل التدبيري إلى قدر الله لا يجوز لغير السلطة الحديث والتصرف فيه.

عن أي بؤس نتحدث؟

يصف سي يونس مواقف اليسار والتيارات الإسلامية بـ”البؤس”، لكن البؤس الحقيقي يكمن في تغييب النقاش حول البنية التحتية المهترئة والاكتفاء بالهجوم الشخصي على رموز سياسية كنبيلة منيب أو قيادات حزبية وحقوقية(العدل و الاحسان …..). إن محاولة الاستقواء برموز وطنية راحلة، مثل المناضل بنسعيد آيت إيدر، لإحراج رفاق دربه اليوم، هي توظيف غير سليم للتاريخ في معارك تصفية حسابات ضيقة لا تخدم ضحايا السيول في شيء.

احتكار العنف أم احتكار الرعاية؟

يستدعي المقال أدبيات احتكار العنف المشروع ليبسط هيمنة الدولة على مشروع مواجهة الكوارث. وهنا نسأل: هل الدولة في المفهوم الحديث هي مجرد جهاز أمني يحتكر القوة، أم هي عقد اجتماعي أساسه توفير الحماية والرعاية؟ إن نقد المقاربة السلطوية في تدبير الأزمات ليس متاجرة بالدين أو الأيدولوجيا، بل هو في صلب العمل الديمقراطي الذي يرفض أن تدار حياة المواطنين بعقلية التعليمات وحدها.

إن السخرية من مقترحات المعارضة يسارية كانت أو اسلامية لن تخفي حقيقة أن التدبير الميداني يحتاج إلى مقاربة تشاركية حقيقية لا تكتفي بمشاهدة المأساة من بعيد. إن ما يضحك فعلا – بمرارة – ليس نقد المعارضة، بل هو الإصرار على تكميم الأفواه في اللحظات التي يحتاج فيها الوطن إلى مصارحة شجاعة، لا إلى قصائد مدح في مواجهة مياه جارفة فضحت المستور.

و السلام