نكران الجميل أم خلط في فهم العلاقة المهنية؟
وجهة نظر

نكران الجميل أم خلط في فهم العلاقة المهنية؟

في خضم الجدل المثار حول اتهام بعض الصحفيين الذي مروا بالمؤسسات الاعلامية للحركة الإسلامية بـ“نكران الجميل”، بدعوى أن الحركة هي من مولت ودربت وفتحت لهم أبواب الظهور والعمل، يبرز سؤال جوهري: هل العلاقة بين المؤسسة الإعلامية ومن يشتغل فيها علاقة منة وولاء، أم علاقة مهنية قائمة على الأخذ والعطاء؟

من حيث المبدأ، ليس من المروءة ان ينكر الانسان افضال من علمه او اطره، وليس من الاخلاق في شيء ان ينحو منحى الاساءة اليه.

في المقابل لا يحق لأي جهة أن تمن على من تعلم أو تدرب داخل مؤسسة ثم قدم لها خدمات فعلية بجهده ووقته وكفاءته. فالتكوين ليس صدقة، والعمل ليس تبعية. المؤسسات وفرت إطارا وفرصة، نعم، لكن المستفيد لم يكن متلقيا سلبيا، بل مساهما في الإنتاج، ومشاركا في البناء، ومضيفا لقيمة حقيقية. إنها علاقة تبادلية وليست إحسانا أحاديا.

الخبرة الإعلامية تبنى بالتراكم، والمؤسسات، مهما وفرت من فرص للصحافي فهو من ينحت باجتهاده طريقه ويبني علاقاته ويغني محفظته.

كما ان نجاح أي منبر إعلامي لا يتحقق فقط بالتمويل أو الإطار التنظيمي، بل أيضاً بجهود الصحفيين والتقنيين الذين يمنحونه من أعمارهم وخبراتهم.

ثم إن الاستقلال المهني لاحقا، أو اختلاف التقدير أو الموقف، لا يمكن اعتباره جحودا. فالإعلامي بطبيعته صاحب رأي، ومن حقه أن يطور قناعاته وخياراته. وعلى ما اذكر، ان كانت من فلتات محدودة يمكن اعتبارها جحودا او اساءة للمشروع الاسلامي الناشر وليس للمؤسسة الاعلامية، صدرت من اشخاص لا يتجاوزون اصابع اليد وليس بصفتهم الاعلامية.

ربط “الجميل” بالصمت أو الاصطفاف الدائم يفرغ العمل الإعلامي من جوهره، ويحوله من مهنة إلى التزام ولائي.

وأعرف، كما يعرف غيري، عددا كبيرا من الزملاء الذين مروا بتجارب تدريب وعمل داخل مؤسسات اعلامية ذات مرجعية اسلامية، ولم يسجل عنهم إنكار للفضل، بل ظلوا يذكرون التجربة بتقدير، دون أن يمنع بعضهم ذلك من اتخاذ مواقع مهنية أوفكرية مختلفة لاحقا. التقدير لا يعني الارتهان، والاعتراف بالتجربة لا يعني التنازل عن الاستقلالية.

دعونا نطل من زاوية أخرى، ونعكس اتجاه السؤال: إذا كان من السهل إطلاق تهمة “نكران الجميل” على من غادروا أواختلفوا، فهل نقبل بالمقابل فتح نقاش حول مدى إنصاف المؤسسة نفسها لبعض أبنائها الإعلاميين؟ هل حصل الجميع على التقدير الذي يستحقونه؟ أم أن بعضهم شعر، في مراحل ما، بأن الجهد المبذول لم يقابله الاعتراف الكافي، بينما يحتفى أحيانا بالوافد البعيد أكثر مما يلتفت إلى ابن الدار؟

ليس الهدف هنا تسجيل نقاط أو تصفية حساب، بل التذكير بأن العلاقة المهنية طريق ذو اتجاهين: كما يطلب الوفاء، يجب أن يمارس التقدير؛ وكما ينتظر الامتنان، ينبغي أن يتوفر الإنصاف. فالتوازن وحده هو ما يحفظ العلاقات من التحول إلى سردية اتهام متبادل.

وفي السياق ذاته، من المفيد أن تسأل المؤسسات نفسها أيضا: أين بعض مناضليها الإعلاميين الذين حملوا الرسالة في مراحل سابقة ثم اختفوا عن الأنظار؟ هل غابوا لأنهم جاحدون، أم لأنهم لم يجدوا التثمين الكافي للاستمرار ؟

المطلوب اليوم هو تصحيح زاوية النظر:
– الاستثمار في الإنسان ليس صك امتلاكه او شهادة الحجر عليه
– رسالية العمل المدني والسياسي والاعلامي تقتضي صناعة مهنيين، لا أصوات تابعةمرتهنة.
-التألق والنجاح المهني يقتضي الاعتراف الذي يتجاوز العدل الى الاحسان المهني تجاه المؤسسات التي نشأ فيها.